التكنولوجياالمجتمع

سنة ونصف من الإنتاجية المهدرة سنويًا.. عندما تتحول البصمة إلى طوابير تستهلك عمر المؤسسات

هل يعقل أن تهدر مؤسسة ما يعادل سنة ونصف من وقت العمل كل عام لمجرد تسجيل الحضور والانصراف؟ حسابات بسيطة تكشف التكلفة الخفية لطوابير البصمة.

سنة ونصف من الإنتاجية المهدرة سنويًا.. عندما تتحول البصمة إلى طوابير تستهلك عمر المؤسسات

هل يعقل أن تهدر مؤسسة ما يعادل سنة ونصف من وقت العمل كل عام لمجرد تسجيل الحضور والانصراف؟ حسابات بسيطة تكشف التكلفة الخفية لطوابير البصمة.

بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية

تخيل أن مؤسسة قررت تعيين موظفين جدد، ثم طلبت منهم أن يقضوا سنة ونصفًا من وقت العمل في الوقوف أمام جهاز إلكتروني، دون إنتاج تقرير واحد، أو تقديم خدمة واحدة، أو إنجاز معاملة واحدة.

قد يبدو هذا القرار عبثيًا، ولا يمكن تخيل أن توافق عليه إدارة تسعى إلى تحسين الكفاءة وترشيد الموارد.

لكن المفارقة أن بعض المؤسسات قد تحقق النتيجة نفسها بصورة غير مباشرة عندما تفرض نظامًا لتسجيل الحضور والانصراف بالبصمة، دون أن تحسب الوقت الذي يقضيه العاملون في الانتظار أمام الأجهزة.

فما يبدو إجراءً بسيطًا يستغرق ثواني معدودة قد يتحول، عند ضربه في عدد العاملين وأيام العمل، إلى مئات أو آلاف الساعات المهدرة سنويًا.

والأخطر أن هذه الخسارة لا تظهر عادة في التقارير المالية، ولا في موازنات التشغيل، ولا في مؤشرات تقييم الأداء.

إنها خسارة صامتة تحدث كل صباح وكل مساء، بينما تعتقد المؤسسة أنها أصبحت أكثر انضباطًا لأنها استطاعت تسجيل حضور موظفيها إلكترونيًا.

وهنا تظهر المفارقة: قد تنجح المؤسسة في تسجيل كل دقيقة من وقت الموظف، بينما تفشل في حساب الوقت الذي أهدرته عملية التسجيل نفسها.

سنة ونصف من العمل.. كيف تضيع أمام جهاز البصمة؟

دعونا نحسب الأمر بصورة علمية، بعيدًا عن الانطباعات العامة.

لنفترض أن مؤسسة تضم 100 موظف، وأن متوسط الوقت الذي يقضيه كل موظف في الانتظار وتسجيل البصمة عند الحضور والانصراف يبلغ 15 دقيقة يوميًا.

هذا الرقم افتراضي لتوضيح الفكرة، وليس نتيجة قياس ميداني داخل مؤسسة بعينها.

إذا كان عدد أيام العمل 220 يومًا سنويًا، فإن كل موظف يهدر 3300 دقيقة سنويًا، أي 55 ساعة.

وعند ضرب هذه القيمة في 100 موظف، تصبح الخسارة الإجمالية 5500 ساعة عمل سنويًا.

وإذا اعتبرنا أن يوم العمل ثماني ساعات، فإن هذه الساعات تعادل نحو 688 يوم عمل كاملًا.

أما إذا اعتبرنا أن السنة الوظيفية تضم 220 يوم عمل، فإن الوقت المفقود يعادل 3.125 سنة عمل لموظف واحد.

بمعنى آخر، فإن مؤسسة تضم 100 موظف، ويقضي كل منهم 15 دقيقة يوميًا في عملية البصمة والانتظار، قد تهدر وقتًا يعادل أكثر من ثلاث سنوات عمل كاملة لموظف واحد خلال سنة تقويمية واحدة.

وإذا انخفض متوسط الوقت إلى نحو سبع دقائق يوميًا، فإن الخسارة تصبح قريبة من سنة ونصف من وقت العمل المكافئ لموظف واحد.

وهنا يجب توضيح نقطة مهمة: نحن لا نتحدث عن أن المؤسسة توقفت عن العمل لمدة سنة ونصف، وإنما عن مجموع الوقت المفقود من جميع العاملين، بعد تحويله إلى ما يعادل سنوات عمل لموظف بدوام كامل.

كما أن الوقت المفقود لا يساوي تلقائيًا إنتاجًا كان سيتحقق بالكامل؛ فذلك يتوقف على طبيعة العمل وما إذا كان الانتظار يحدث داخل ساعات العمل المنتجة.

لكن هذه الحسابات تكشف حجم التكلفة التي قد تختفي خلف إجراء إداري يبدو محدودًا.

لماذا لا تحسب المؤسسات هذه الخسارة؟

لأن معظم أنظمة الحضور والانصراف صُممت للإجابة عن سؤال واحد: متى دخل الموظف ومتى خرج؟

لكنها لا تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية: كم دقيقة استهلك الموظف حتى استطاع تسجيل دخوله وخروجه؟

فالجهاز يسجل لحظة التعرف على البصمة، لكنه لا يسجل بالضرورة الوقت الذي قضاه الموظف واقفًا في الطابور.

وقد يظهر الموظف في النظام باعتباره حاضرًا في الثامنة صباحًا، بينما يكون قد وصل إلى مقر العمل قبل ذلك بعشر دقائق وانتظر دوره.

وقد يغادر مكتبه قبل نهاية الدوام بخمس دقائق حتى يتمكن من الوصول إلى الجهاز قبل ازدحام الانصراف.

وهكذا تصبح المؤسسة قادرة على قياس وقت الحضور بدقة تصل إلى الثانية، لكنها لا تمتلك بيانات عن الوقت الذي يهدره النظام نفسه.

إنها مفارقة في فلسفة التحول الرقمي.

فنحن نستخدم التكنولوجيا لقياس الوقت، لكننا لا نستخدمها بالقدر نفسه لقياس كفاءة الإجراء الذي يستهلك هذا الوقت.

من إدارة الإنتاجية إلى إدارة الطوابير

في الإدارة الحديثة، يفترض أن يكون الهدف من التكنولوجيا هو تقليل الإجراءات غير الضرورية، وتبسيط العمليات، وتحسين استخدام الموارد.

لكن عندما يؤدي تطبيق التكنولوجيا إلى إضافة طوابير جديدة، فإن المؤسسة تكون قد رقمنت إجراءً إداريًا دون أن تعيد تصميمه.

فبدلًا من توقيع الموظف في دفتر الحضور، أصبح يضع إصبعه على جهاز إلكتروني.

لكن فلسفة الإدارة قد تظل كما هي: الأهم أن نثبت وجود الموظف، وليس أن نقيس ما أنجزه.

وقد يؤدي هذا التفكير إلى ظهور ثقافة جديدة داخل المؤسسة، تصبح فيها الدقائق السابقة للحضور والدقائق الأخيرة قبل الانصراف أكثر أهمية من جودة العمل نفسه.

فالموظف الذي يصل مبكرًا قد يقضي وقتًا في الطابور، والموظف الذي ينهي مهامه قد ينتظر موعد تسجيل الانصراف.

وبذلك تتحول المؤسسة تدريجيًا من تنظيم العمل إلى تنظيم حركة العاملين أمام الأجهزة.

والسؤال هنا ليس ما إذا كانت البصمة مفيدة في إثبات الحضور، فهي قد تكون مفيدة بالفعل.

بل السؤال: هل جرى تصميم استخدامها بطريقة تحقق الانضباط بأقل تكلفة ممكنة من الوقت والموارد؟

هل البصمة تزيد الإنتاجية فعلًا؟

لا يمكن افتراض أن استخدام البصمة يزيد الإنتاجية لمجرد أنه يقلل احتمالات التلاعب في تسجيل الحضور.

فالحضور والإنتاجية متغيران مختلفان.

قد يلتزم الموظف بساعات العمل كاملة دون أن يحقق المستوى المطلوب من الأداء.

وقد ينجز موظف آخر مهامه بكفاءة عالية خلال وقت أقل، خصوصًا في الوظائف التي تعتمد على المعرفة والتحليل والإبداع.

وفي المؤسسات الخدمية، قد يكون الحضور في موعد محدد ضروريًا لاستمرار تقديم الخدمة.

أما في بعض الوظائف البحثية والأكاديمية والتقنية، فقد تكون مرونة تنظيم الوقت أكثر ارتباطًا بطبيعة العمل.

ولهذا لا ينبغي تطبيق نظام موحد دون دراسة اختلاف المهام.

فما يناسب وظيفة تعتمد على تشغيل خط إنتاج في وردية ثابتة قد لا يكون مناسبًا بالضرورة لباحث يعمل على تجربة علمية، أو أستاذ جامعي يشرف على رسالة دكتوراه، أو مهندس يطور نظامًا برمجيًا.

إن العدالة الإدارية لا تعني دائمًا تطبيق الإجراء نفسه على الجميع، وإنما تطبيق قواعد مناسبة لطبيعة المسؤوليات.

الجامعات.. عندما يصبح البحث العلمي رهينة موعد البصمة

تبدو المشكلة أكثر وضوحًا في الجامعات والمراكز البحثية.

فالأستاذ الجامعي لا يقتصر عمله على الحضور إلى مقر الجامعة.

إنه يعد المحاضرات، ويطور المقررات، ويشرف على الطلاب، ويجري الأبحاث، ويكتب الأوراق العلمية، ويراجع الرسائل، ويشارك في المشروعات البحثية والصناعية.

وقد تتطلب هذه الأعمال ساعات طويلة خارج أوقات الدوام التقليدية.

وقد يستمر الباحث في متابعة تجربة علمية حتى المساء، أو يقضي وقتًا في تحليل البيانات وكتابة النتائج من خارج الحرم الجامعي.

لكن عندما يصبح معيار الانضباط الأساسي هو تسجيل البصمة، فإن جزءًا مهمًا من هذا العمل قد لا يظهر في سجلات المؤسسة.

والأخطر أن يتحول الاهتمام الإداري من متابعة الإنتاج العلمي إلى متابعة دقائق الحضور.

فبدلًا من السؤال عن عدد المشروعات البحثية التي وصلت إلى التطبيق، أو جودة الأبحاث المنشورة، أو مستوى الطلاب، يصبح السؤال عن توقيت تسجيل البصمة.

وهنا ينبغي أن نسأل: هل نريد جامعة تنتج المعرفة، أم جامعة تنتج تقارير الحضور والانصراف؟

وهل نقيس الأستاذ بعدد الساعات التي قضاها داخل المبنى، أم بجودة ما قدمه من تعليم وبحث وإشراف وخدمة للمجتمع؟

إن تسجيل الحضور قد يكون ضروريًا في بعض الحالات، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن قياس الأداء الأكاديمي.

التكلفة الاقتصادية للانتظار

يمكن تحويل الوقت المهدور إلى تكلفة اقتصادية تقديرية.

لنفترض أن متوسط تكلفة ساعة العمل، شاملة الأجر والمزايا والأعباء المرتبطة بالتوظيف، يبلغ 150 جنيهًا.

هذا رقم افتراضي لأغراض الحساب، وليس متوسطًا رسميًا للأجور في مصر.

إذا كانت المؤسسة تفقد 5500 ساعة سنويًا بسبب الانتظار أمام أجهزة البصمة، فإن القيمة الحسابية لهذه الساعات تبلغ 825 ألف جنيه سنويًا.

وإذا تكرر السيناريو نفسه في عشر مؤسسات مماثلة، فإن القيمة تصل إلى 8.25 مليون جنيه سنويًا.

لكن يجب التمييز بين القيمة المحاسبية للوقت والتكلفة المالية التي يمكن استردادها فعلًا.

فالمؤسسة لن توفر بالضرورة هذا المبلغ نقدًا بمجرد إزالة الطوابير، لأن الأجور قد تظل ثابتة.

ومع ذلك، فإن تقليل الانتظار يمكن أن يتيح ساعات إضافية لإنجاز الأعمال، وتحسين الخدمات، وتقليل التأخير، دون الحاجة إلى زيادة عدد العاملين.

وهذا هو جوهر مفهوم تكلفة الفرصة البديلة.

فكل دقيقة تُستهلك في نشاط لا يضيف قيمة هي دقيقة كان من الممكن استخدامها في نشاط آخر أكثر فائدة، متى كانت ظروف العمل تسمح بذلك.

لماذا لا تعالج الإدارة المشكلة؟

قد يكون السبب أن الإدارة تقيس نجاح النظام بمؤشرات لا تعكس كفاءته الحقيقية.

فقد تعتبر أن نظام البصمة ناجح إذا استطاع تسجيل حضور جميع الموظفين، أو خفض عدد حالات الغياب غير المسجل.

لكنها قد لا تقيس متوسط زمن الانتظار، أو عدد مرات تعطل الجهاز، أو الوقت الذي يستغرقه الموظفون في معالجة أخطاء التسجيل.

وهكذا يصبح النظام ناجحًا وفق المؤشرات التي اختيرت له، رغم أنه قد يخلق تكاليف تشغيلية لم تدخل في التقييم.

وهذه مشكلة معروفة في إدارة الأداء: عندما يصبح المؤشر هدفًا في حد ذاته، قد يتراجع الاهتمام بالغاية التي صُمم المؤشر لخدمتها.

فإذا كان الهدف هو رفع الإنتاجية، فلا يكفي قياس الانضباط الزمني وحده.

وإذا كان الهدف هو تحسين جودة الخدمة، فلا يكفي معرفة عدد ساعات وجود الموظف.

وإذا كان الهدف هو تطوير البحث العلمي، فلا يكفي التأكد من حضور الباحث إلى المعمل في موعد محدد.

إن المؤشرات الجيدة يجب أن تعكس النتائج التي تريد المؤسسة تحقيقها، لا مجرد الإجراءات التي يسهل قياسها.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي حل المشكلة؟

من المفارقات أن المؤسسات التي تتحدث عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي قد تستمر في استخدام أنظمة حضور تؤدي إلى ازدحام يمكن تجنبه.

فالتكنولوجيا الحديثة تتيح وسائل متعددة لتحسين إدارة الحضور، لكن اختيار الوسيلة يجب أن يتناسب مع طبيعة العمل ومتطلبات الأمن والخصوصية.

يمكن، على سبيل المثال، تحليل أوقات الذروة لتحديد عدد الأجهزة المناسب، أو توزيع مواعيد الحضور والانصراف، أو إتاحة وسائل تسجيل مختلفة وفق ضوابط واضحة.

كما يمكن استخدام التحليلات الرقمية لدراسة العلاقة بين ساعات العمل والإنجاز، دون اختزال الأداء في عدد ساعات الوجود.

وفي المؤسسات التي تسمح طبيعة أعمالها بذلك، يمكن تطبيق ترتيبات مرنة للحضور مع الحفاظ على المساءلة عن النتائج.

لكن ينبغي الحذر من استبدال نظام رقابي بآخر أكثر تدخلًا في خصوصية الموظفين.

فالهدف ليس مراقبة الإنسان في كل لحظة، بل تمكينه من العمل بكفاءة مع ضمان الالتزام بالمسؤوليات.

والتكنولوجيا الجيدة هي التي تقلل الاحتكاك الإداري، لا التي تضيف طبقات جديدة من الإجراءات.

تجربة بسيطة تكشف الحقيقة

لا تحتاج المؤسسة إلى مشروع بحثي معقد لمعرفة ما إذا كانت طوابير البصمة تهدر وقتًا كبيرًا.

يمكنها إجراء قياس ميداني لمدة أسبوعين.

يُسجل وقت وصول الموظف إلى الطابور، ووقت إتمام عملية البصمة، وعدد العاملين المنتظرين، ومعدل فشل التسجيل، وأوقات الذروة.

ثم تُحسب متوسطات الانتظار وتوزيعاتها، مع التمييز بين الحضور والانصراف.

وبعد ذلك يمكن اختبار تعديل بسيط، مثل توزيع مواعيد العمل أو إضافة جهاز في موقع مناسب.

ثم تُعاد القياسات للمقارنة بين الوضعين.

فإذا انخفض متوسط الانتظار من سبع دقائق إلى دقيقة واحدة، فإن مؤسسة تضم 100 موظف و220 يوم عمل تستطيع تقليل وقت الانتظار المجمع بنحو 2200 ساعة سنويًا.

وهذا يعادل 275 يوم عمل من ثماني ساعات، أو 1.25 سنة عمل مكافئة لموظف واحد، وفق الافتراضات نفسها.

إن هذه الأرقام ليست وعودًا بتحقيق إنتاجية إضافية مساوية لها، لكنها تمثل وقتًا يمكن تحريره من إجراء إداري متكرر.

والفرق بين الإدارة التقليدية والإدارة القائمة على الأدلة هو أن الأولى تكتفي بالاعتقاد بأن النظام ناجح، بينما تقيس الثانية أثره الفعلي وتعدله عند الحاجة.

الانضباط لا يتعارض مع الكفاءة

قد يرى البعض أن انتقاد طوابير البصمة يعني الدعوة إلى إلغاء الانضباط الوظيفي.

وهذا استنتاج غير صحيح.

فالانضباط ضرورة، خصوصًا في المؤسسات التي تقدم خدمات مباشرة للجمهور أو تعتمد على وجود العاملين في مواقع محددة.

لكن الانضباط الجيد يجب أن يكون منظمًا وفعالًا وعادلًا.

ولا توجد ضرورة لأن يدفع العاملون ثمن سوء تصميم النظام من أوقاتهم.

فيمكن للمؤسسة أن تتحقق من الحضور دون خلق طوابير طويلة، وأن تتابع الالتزام دون تحويل كل دقيقة إلى مصدر قلق، وأن تقيس الأداء دون الاعتماد على الحضور وحده.

والإدارة الحديثة لا تختار بين النظام والمرونة، بل تسعى إلى تحقيق التوازن بينهما.

كما أنها لا تفترض أن كل الموظفين يؤدون النوع نفسه من العمل، أو أن جميع الوظائف تحتاج إلى الترتيبات الزمنية نفسها.

فالمساواة في الإجراءات ليست دائمًا مساواة في العدالة أو الكفاءة.

الخاتمة.. سنة ونصف من عمر المؤسسة من أجل إثبات الحضور

قد يبدو الانتظار سبع دقائق يوميًا أمرًا بسيطًا لا يستحق الاهتمام.

لكن عندما يتكرر هذا الانتظار مئات المرات يوميًا، وعلى مدار مئات الأيام سنويًا، يتحول إلى عبء مؤسسي يستحق القياس والمراجعة.

ففي المثال الحسابي لمؤسسة تضم 100 موظف، يمكن أن يتراكم الانتظار اليومي إلى ما يقارب سنة ونصف من وقت العمل المكافئ لموظف واحد خلال عام.

وإذا ارتفع متوسط الانتظار إلى 15 دقيقة، فقد تتجاوز الخسارة ثلاث سنوات عمل مكافئة.

والأرقام هنا لا تدين جهاز البصمة في ذاته، وإنما تكشف أهمية تصميم الإجراءات بصورة تراعي الوقت والإنتاجية.

فالمؤسسة التي تريد تحسين أدائها ينبغي أن تقيس ليس فقط وقت حضور العاملين، بل الوقت الذي تستهلكه إجراءاتها منهم.

والمؤسسة التي تريد التحول الرقمي ينبغي أن تبدأ بتبسيط العمل، لا بمجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى أجهزة إلكترونية.

أما الجامعة التي تريد تعزيز البحث العلمي والابتكار، فعليها أن تقيس ما ينتجه الباحثون والأساتذة من معرفة وتأثير، إلى جانب التزاماتهم التنظيمية، لا أن تختزل الأداء في سجلات الدخول والخروج.

إن أخطر أنواع الهدر هو الهدر الذي نعتاد عليه حتى نتوقف عن رؤيته.

فالدقائق القليلة قد تبدو بلا قيمة عندما ننظر إليها منفردة، لكنها تصبح سنوات من الوقت الضائع عندما تتكرر داخل مؤسسة كبيرة.

وهنا ينبغي أن نطرح سؤالًا بسيطًا على كل إدارة:

هل حسبتم يومًا كم سنة من وقت العمل تستهلكها طوابير البصمة داخل مؤسستكم؟

وهل قارنتم هذا الوقت بما يحققه النظام من فوائد؟

وهل فكرتم في أن تقليل الانتظار قد يكون أحد أبسط مشروعات تحسين الإنتاجية التي يمكن تنفيذها دون استثمارات ضخمة؟

إن البصمة قد تثبت أن الموظف حضر، لكنها لا تثبت أنه أنتج.

وقد تسجل لحظة دخوله وخروجه بدقة، لكنها لا تسجل ما ضاع من وقته أثناء الانتظار.

والإدارة التي تهدر سنة ونصفًا من وقت العمل المكافئ لموظف واحد سنويًا لكي تثبت أن موظفيها يحترمون الوقت، تحتاج أولًا إلى أن تسأل نفسها: هل تحترم هي وقت موظفيها؟

فالقيمة الحقيقية للعمل لا تُقاس بعدد مرات وضع الإصبع على الجهاز، وإنما بما تتركه الأيدي والعقول من إنجاز.

نحن لا نحتاج إلى مؤسسات أكثر قدرة على تسجيل البصمات، بل إلى مؤسسات أكثر قدرة على صناعة الإنجازات.

الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية

زر الذهاب إلى الأعلى