140 ألف باحث.. فلماذا لا نصنع اكتشافًا يغير العالم؟

140 ألف باحث.. فلماذا لا نصنع اكتشافًا يغير العالم؟
أزمة البحث العلمي ليست في عدد العقول ولا الأبحاث المنشورة.. بل في منظومة تكافئ الأوراق العلمية أكثر مما تكافئ الاكتشاف، وتستهلك وقت الباحث قبل أن تمنحه فرصة الإبداع
بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية
في كل عام، عندما تُعلن الجوائز العلمية العالمية الكبرى، يتجدد سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه يكشف عن قضية أكثر تعقيدًا تتعلق بمستقبل المعرفة والاقتصاد والتعليم والابتكار في مصر: لماذا لا يتحول العدد الكبير من الباحثين المصريين والإنتاج المتزايد من الدراسات العلمية إلى اكتشافات استثنائية تغير العالم؟
قد تبدو الإجابة السريعة مرتبطة بنقص التمويل أو ضعف الإمكانات أو هجرة العقول، لكن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها المشكلة. فهناك دول تمتلك موارد محدودة نسبيًا، ومع ذلك استطاعت بناء مراكز بحثية مؤثرة، وتطوير تقنيات جديدة، وإنتاج معرفة أصيلة.
والفرق الحقيقي لا يكمن دائمًا في حجم الموارد المتاحة، وإنما في كيفية إدارتها، وطريقة اختيار المشروعات، والمعايير التي يُقيَّم بها العلماء، وقدرة المؤسسات على الاستمرار في دعم الأفكار العلمية حتى تتحول إلى نتائج مؤثرة.
تكشف البيانات التي أعلنتها الجهات المصرية المختصة بالبحث العلمي خلال عام 2026 عن قاعدة بحثية واسعة؛ إذ تجاوز عدد الباحثين المصريين المسجلين في قاعدة البيانات العلمية الدولية 140 ألف باحث، فيما تجاوز الإنتاج البحثي المنشور دوليًا 116 ألف دراسة خلال الفترة من 2019 إلى 2024، وفق الأرقام المعلنة.
كما تشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من هذه الدراسات نُشرت في دوريات مصنفة ضمن الفئتين الأولى والثانية، وأن أكثر من ألف باحث مصري ظهروا ضمن إحدى القوائم الدولية للعلماء الأعلى تأثيرًا وفق مؤشرات الاستشهادات العلمية.
وتعكس هذه الأرقام توسعًا مهمًا في الحضور البحثي المصري على المستوى الدولي، لكنها تطرح سؤالًا اقتصاديًا وعلميًا لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج نفسه: ماذا حدث بعد نشر هذه الأبحاث؟
كم دراسة أدت إلى اكتشاف جديد؟
وكم نتيجة بحثية تحولت إلى تقنية قابلة للاستخدام؟
وكم مشروعًا أنتج براءة اختراع ذات قيمة اقتصادية؟
وكم شركة تأسست اعتمادًا على معرفة طُورت داخل جامعة مصرية؟
وكم مشكلة وطنية في المياه أو الطاقة أو الصناعة أو الصحة وجدت حلًا علميًا قابلًا للتطبيق؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة النشر العلمي، بل تعيد وضعه في مكانه الصحيح باعتباره وسيلة لنشر المعرفة والتحقق منها وتطويرها، وليس الهدف النهائي للبحث العلمي.
عندما يصبح عدد الأبحاث أهم من السؤال العلمي
تبدأ المشكلة في كثير من الأحيان من الطريقة التي تُصمم بها منظومة الحوافز الأكاديمية.
فعندما تعتمد الترقية المهنية بصورة كبيرة على عدد الأبحاث المنشورة، يصبح من الطبيعي أن يركز الباحث على المشروعات التي يستطيع إنجازها خلال فترات قصيرة، بدلًا من المغامرة بأفكار قد تحتاج إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى نتيجة قابلة للنشر.
وقد يؤدي ذلك إلى انتشار نمط من البحث العلمي يعتمد على التحسينات المحدودة، والمقارنات المتكررة، والتطبيقات المتشابهة، وإعادة استخدام المناهج المعروفة في مشكلات مختلفة دون إضافة معرفية جوهرية.
ولا يعني ذلك أن هذه الدراسات عديمة الفائدة؛ فالبحث العلمي يتقدم أيضًا من خلال النتائج التراكمية والتحسينات الصغيرة. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح هذه الأنشطة هي المسار الأكثر أمانًا للترقية والتمويل، بينما تتحول الأفكار الجريئة إلى مخاطرة مهنية لا يستطيع الباحث تحملها.
فالعالم الذي يريد اختبار فرضية غير مألوفة قد يحتاج إلى ثلاث سنوات أو خمس أو عشر سنوات قبل أن يصل إلى نتيجة حاسمة.
وقد تنتهي التجربة إلى إثبات أن الفرضية الأصلية غير صحيحة.
وفي بيئة علمية ناضجة، يمكن أن تكون هذه النتيجة ذات قيمة كبيرة إذا كانت التجربة مصممة بصورة سليمة وقدمت معرفة جديدة.
أما في بيئة لا تكافئ إلا النتائج الإيجابية السريعة، فقد يتجنب الباحث هذا النوع من المشروعات، ويتجه إلى أبحاث أكثر قابلية للنشر وأقل قدرة على إحداث تحول علمي.
وهكذا تنشأ مفارقة خطيرة: كلما زادت الضغوط لرفع عدد المنشورات، قد تقل المساحة المتاحة لبعض أنواع البحث العميق طويل الأجل.
140 ألف باحث لا تعني 140 ألف عالم متفرغ للاكتشاف
من الضروري أيضًا قراءة الأرقام البحثية بصورة دقيقة.
فعدد الباحثين الذين تظهر أسماؤهم في قاعدة بيانات دولية لا يعادل بالضرورة عدد الباحثين المتفرغين الذين يعملون داخل معامل مجهزة، أو يقودون مشروعات علمية مستقلة، أو يمتلكون تمويلًا مستقرًا.
وقد تضم قواعد البيانات أعضاء هيئة تدريس، وباحثين في مراحل مهنية مختلفة، ومصريين يعملون خارج البلاد، ومشاركين في مشروعات دولية، وأشخاصًا تختلف درجة نشاطهم البحثي من عام إلى آخر.
ولهذا فإن قياس القدرة البحثية الوطنية يحتاج إلى مؤشرات إضافية، مثل عدد الباحثين المكافئ للتفرغ الكامل، وحجم الإنفاق البحثي لكل باحث، وعدد الفرق البحثية المستقرة، ونسبة الوقت المخصص للبحث، وتوافر الأجهزة والتجهيزات، وقدرة المؤسسات على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
فقد يعمل باحث متميز داخل مؤسسة جامعية، لكنه يقضي جزءًا كبيرًا من وقته في التدريس والتصحيح واللجان والأعمال الإدارية وإعداد التقارير.
وقد يجد نفسه مطالبًا بالنشر المستمر دون أن يمتلك الوقت أو الدعم الفني أو التمويل اللازم لتنفيذ مشروع تجريبي كبير.
والنتيجة أن المؤسسة تمتلك باحثًا على الورق، لكنها لا تمنحه دائمًا الظروف التي تسمح له بممارسة البحث العلمي بالمستوى الذي تؤهله له قدراته.
وهنا يصبح الإصلاح الحقيقي مرتبطًا بتحرير وقت الباحث من الأعمال التي يمكن تبسيطها أو توزيعها، وتوفير فرق مساندة من الفنيين والمهندسين ومديري المشروعات البحثية، وتحسين إدارة المعامل والموارد.
المعامل ليست أجهزة.. والتمويل ليس مجرد ميزانية
من الأخطاء الشائعة اختزال تطوير البحث العلمي في شراء أجهزة حديثة أو إنشاء مبانٍ جديدة.
فالمعمل المتقدم لا يُقاس فقط بقيمة أجهزته، وإنما بعدد الساعات التي تعمل فيها بكفاءة، وتوافر الصيانة والمواد المستهلكة، وقدرة الباحثين على الوصول إليها، وجودة النتائج التي تنتج عنها.
وقد تمتلك مؤسسة جهازًا مرتفع التكلفة، لكنه يظل خارج الخدمة لفترات طويلة بسبب نقص الصيانة أو قطع الغيار أو الخبرات الفنية.
وقد تمتلك مؤسسة أخرى الجهاز نفسه، بينما يحتاج باحث في جامعة مجاورة إلى استخدامه، دون وجود نظام فعال للمشاركة أو حجز وقت التشغيل أو تسعير الخدمات البحثية.
وهنا لا تكون المشكلة بالضرورة في نقص الأجهزة، بل في ضعف التنسيق وإدارة الموارد.
ومن الممكن أن يؤدي إنشاء منظومة وطنية متكاملة لإتاحة المعامل والأجهزة البحثية إلى تحسين كفاءة الإنفاق، بحيث يستطيع الباحث معرفة الإمكانات المتاحة داخل المؤسسات المختلفة، والتقدم لاستخدامها وفق قواعد واضحة.
كما يمكن أن تسمح هذه المنظومة بتقليل تكرار شراء الأجهزة مرتفعة التكلفة، وتوجيه الموارد إلى التشغيل والصيانة وتدريب الكوادر.
لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى حوكمة فعالة، وتحديد مسؤوليات التشغيل، وتغطية تكاليف الصيانة، وضمان عدالة الوصول إلى الموارد.
فالمشكلة ليست فقط في توفير المال، وإنما في تحويل كل جنيه يُنفق على البحث العلمي إلى قدرة علمية مستدامة.
لماذا لا تصنع الأبحاث الكثيرة اكتشافات كبرى؟
لأن الاكتشاف العلمي الكبير لا ينتج عادة عن جمع عدد كبير من الدراسات المنفصلة، بل عن تراكم معرفي منظم حول أسئلة علمية عميقة.
فقد يعمل فريق بحثي لسنوات على فهم ظاهرة واحدة، ويطور أدوات جديدة لقياسها، ويختبر فرضيات متتابعة، ثم يصل إلى نتيجة تغير الطريقة التي يفهم بها المجتمع العلمي هذه الظاهرة.
وهذا النوع من التقدم يحتاج إلى استمرارية مؤسسية.
أما إذا كان كل مشروع يبدأ من الصفر، ويتوقف بانتهاء التمويل، ثم ينتقل الباحثون إلى موضوعات جديدة لتلبية متطلبات النشر، فإن المعرفة المتراكمة قد تضيع قبل أن تصل إلى مرحلة النضج.
ولهذا تحتاج مصر إلى بناء مدارس بحثية حقيقية، لا مجرد مجموعات مؤقتة تتشكل حول مشروع قصير الأجل.
والمدرسة البحثية ليست اسمًا لمركز أو معمل، وإنما منظومة علمية تمتلك سؤالًا رئيسيًا واضحًا، وخطة طويلة الأجل، وقيادة علمية مؤهلة، وأجيالًا متعاقبة من الباحثين، وشبكات تعاون دولية، وآليات لحفظ المعرفة وتطويرها.
وقد تكون بعض أهم نتائج هذه المدارس غير قابلة للتنبؤ مسبقًا، لأن البحث الأساسي يتعامل مع أسئلة لم تتضح إجاباتها بعد.
ولهذا فإن التخطيط العلمي الجيد لا يعني تحديد الاكتشاف المطلوب مسبقًا، بل تحديد المجالات الواعدة وتوفير الظروف التي تسمح بالاكتشاف.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة للاكتشاف أم مصنع جديد للأبحاث المتشابهة؟
أصبح الذكاء الاصطناعي من أكثر المجالات جذبًا للباحثين في العالم، بما في ذلك الجامعات المصرية.
وقد ساعدت أدواته على تسريع تحليل البيانات، وتطوير النماذج، ومعالجة الصور، واكتشاف الأنماط، ومحاكاة الأنظمة المعقدة.
لكن سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي تحمل تحديًا علميًا مهمًا.
فقد يصبح من السهل نسبيًا استخدام نموذج جاهز على مجموعة بيانات معروفة، ثم مقارنة النتائج بعدة خوارزميات، وإنتاج دراسة جديدة تختلف بصورة محدودة عن دراسات سابقة.
وقد تتكرر هذه العملية عشرات المرات دون أن تؤدي بالضرورة إلى اكتشاف علمي أصيل.
وفي المقابل، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصبح أداة قوية للبحث المتقدم عندما يُستخدم لتطوير فرضيات جديدة، أو تحليل ظواهر يصعب دراستها بالطرق التقليدية، أو تصميم تجارب أكثر كفاءة، أو اكتشاف علاقات قابلة للتحقق العلمي.
والفارق بين الحالتين هو طبيعة السؤال البحثي وجودة المنهج، وليس مجرد استخدام خوارزمية حديثة.
فالبحث الذي يحقق دقة مرتفعة على مجموعة بيانات قديمة ليس بالضرورة أكثر قيمة من بحث يكتشف آلية جديدة أو يقدم حلًا قابلًا للتطبيق لمشكلة حقيقية.
ولهذا يجب أن تتطور معايير تقييم الأبحاث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لتشمل الأصالة، وقابلية إعادة الإنتاج، وجودة البيانات، والمتانة الإحصائية، والتفسير العلمي، والأثر التطبيقي.
كما يجب ألا تُقبل النتائج التجريبية لمجرد أنها تبدو مقنعة أو تتضمن رسومًا بيانية متقدمة، بل ينبغي التحقق من وجود بيانات فعلية، وتجارب قابلة للتكرار، ومقارنات عادلة مع الأساليب السابقة.
من 116 ألف دراسة إلى اقتصاد المعرفة
إذا كانت مصر قد أنتجت أكثر من 116 ألف دراسة دولية خلال ست سنوات، فإن السؤال الاقتصادي الطبيعي هو مدى مساهمة هذا الإنتاج في تطوير الصناعة والخدمات والمنتجات.
وتشير البيانات المتعلقة بطلبات براءات الاختراع لعام 2024 إلى تسجيل 581 طلبًا مقدمًا من مصريين، مقابل 1268 طلبًا من أجانب، بإجمالي 1849 طلبًا.
لكن هذه الأرقام تحتاج إلى تفسير دقيق.
فطلبات البراءات لا تعني بالضرورة براءات ممنوحة، كما أن عدد الطلبات لا يعكس وحده القيمة الاقتصادية للاختراعات أو جودتها أو فرص تسويقها.
كذلك لا يمكن مقارنة عدد الأبحاث المنشورة بعدد طلبات البراءات بصورة مباشرة، لأن البحوث الأساسية والنظرية لا يُتوقع أن تنتج جميعها براءات اختراع، كما أن بعض الابتكارات تُحمى بوسائل أخرى أو تُنشر دون تسجيل براءة.
ومع ذلك، فإن وجود قاعدة نشر واسعة يفرض ضرورة تطوير منظومة أكثر كفاءة لنقل المعرفة والتكنولوجيا.
فقد يصل باحث إلى نتيجة قابلة للتطبيق، لكنه لا يعرف كيف يحمي حقوق الملكية الفكرية، أو كيف يطور نموذجًا أوليًا، أو كيف يختبر احتياجات السوق، أو كيف يتفاوض مع شركة صناعية.
وقد تحتاج الفكرة إلى تمويل إضافي لتجاوز المرحلة التي تفصل بين الإثبات العلمي الأولي والمنتج التجاري.
وهنا تظهر أهمية مكاتب نقل التكنولوجيا، وحاضنات الأعمال العلمية، وبرامج تمويل النماذج الأولية، والشراكات الصناعية طويلة الأجل.
ولا ينبغي أن يُطلب من كل باحث أن يتحول إلى رجل أعمال، لكن يجب أن تتوافر داخل المؤسسة منظومة تستطيع نقل النتائج القابلة للتطبيق إلى الجهات القادرة على تطويرها وتسويقها.
البحث العلمي والقطاع الخاص.. العلاقة التي تحتاج إلى إعادة بناء
في الاقتصادات القائمة على المعرفة، لا تقتصر مسؤولية البحث والتطوير على الجامعات والحكومة.
فالقطاع الخاص يؤدي دورًا مهمًا في تمويل الأبحاث التطبيقية، وتطوير المنتجات، وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية.
لكن هذه العلاقة تحتاج إلى بناء الثقة بين المؤسسات الأكاديمية والصناعية.
فالشركات تريد حلولًا قابلة للتطبيق ضمن جداول زمنية واضحة، بينما تحتاج الجامعات إلى مساحة للبحث والتجريب ونشر المعرفة.
وقد يؤدي غياب آليات واضحة للتعاون إلى استمرار الفجوة بين الطرفين.
ومن الممكن معالجة ذلك من خلال برامج بحثية مشتركة تبدأ بتحديد مشكلات صناعية حقيقية، ثم تشكيل فرق متعددة التخصصات لمعالجتها، مع الاتفاق مسبقًا على التمويل والملكية الفكرية ومعايير النجاح.
كما يمكن أن تسهم الحوافز الضريبية والتمويل المشترك والمشتريات الحكومية الموجهة للابتكار في تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والتطوير.
لكن نجاح هذه السياسات يحتاج إلى قياس الأثر الفعلي، وليس الاكتفاء بعدد الاتفاقيات الموقعة.
فالاتفاقية التي لا تنتج مشروعًا أو تقنية أو خدمة جديدة لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها إنجازًا بحثيًا مكتملًا.
هجرة العقول.. لماذا ننجح خارج المنظومة ونتعثر داخلها؟
من أكثر القضايا حساسية في البحث العلمي المصري انتقال عدد من الباحثين المتميزين إلى مؤسسات خارج البلاد.
ولا ينبغي التعامل مع الهجرة العلمية باعتبارها مشكلة مطلقة، لأن الحركة الدولية للباحثين يمكن أن تسهم في نقل المعرفة وبناء الشبكات العلمية.
لكن المشكلة تظهر عندما تصبح المغادرة هي الطريق الأكثر واقعية للحصول على التمويل أو الاستقلالية أو التقدم المهني.
فالباحث الذي يستطيع قيادة مشروع علمي كبير في الخارج قد يواجه داخل بلده صعوبات تتعلق بالتمويل أو الإجراءات أو تجهيزات المعامل أو ضيق الوقت المخصص للبحث.
وهنا يصبح السؤال الأهم ليس كيف نمنع العلماء من السفر، بل كيف نبني مؤسسات تجعل البقاء أو العودة أو التعاون المستمر خيارات علمية جاذبة.
ويمكن الاستفادة من الباحثين المصريين في الخارج من خلال مشروعات مشتركة، وبرامج إشراف علمي، ومختبرات افتراضية، وزيارات بحثية، وشراكات تتيح للفرق المحلية المشاركة في تصميم الأسئلة العلمية وقيادة المشروعات.
لكن التعاون الدولي الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على إضافة أسماء مصرية إلى أوراق علمية دولية.
فالقيمة الأكبر تتحقق عندما تشارك المؤسسات المصرية في تحديد الأولويات العلمية، وتطوير المنهجيات، وامتلاك البيانات، وبناء الأدوات، وقيادة أجزاء رئيسية من المشروعات.
الموهبة العلمية تبدأ قبل الجامعة
لا يمكن بناء منظومة بحثية عالمية إذا بدأ الاهتمام بالموهبة العلمية بعد الحصول على درجة الدكتوراه.
فالفضول العلمي يتشكل مبكرًا، وقد يتراجع عندما يعتمد التعليم على الحفظ وتكرار الإجابات النموذجية بدلًا من طرح الأسئلة والتجريب.
ولهذا فإن تطوير البحث العلمي يبدأ أيضًا من المدرسة.
فالطالب الذي يتعلم كيف يصمم تجربة، ويتحقق من فرضية، ويقبل احتمال الخطأ، ويبحث عن تفسير منطقي للنتائج، يكتسب أساسًا علميًا أكثر أهمية من مجرد القدرة على استرجاع المعلومات.
وفي الجامعة، يجب أن تتاح للطلاب المتميزين فرص حقيقية للمشاركة في المشروعات البحثية، واستخدام المعامل، والتعامل مع البيانات، والتعلم من الباحثين ذوي الخبرة.
كما يجب تطوير برامج لاكتشاف المواهب البحثية مبكرًا، وتوفير مسارات مستمرة لدعمها خلال الدراسات العليا وبداية الحياة الأكاديمية.
لكن هذه البرامج لا ينبغي أن تعتمد فقط على الدرجات الدراسية، لأن التفوق في الامتحانات لا يعكس دائمًا القدرة على الإبداع العلمي.
فالقدرة على التفكير المستقل، والمثابرة، والفضول، والتعامل مع المشكلات المفتوحة، كلها عناصر أساسية في تكوين الباحث المتميز.
هل نحتاج إلى برنامج وطني لصناعة الاكتشافات الكبرى؟
يمكن لمصر أن تتبنى برنامجًا وطنيًا طويل الأجل يركز على بناء قدرات بحثية عالمية في عدد محدود من المجالات التي تمتلك فيها احتياجات استراتيجية أو فرصًا علمية حقيقية.
وقد تشمل هذه المجالات الأمن المائي، والتكنولوجيا الزراعية، والمواد المتقدمة، والطاقة، والتقنيات الطبية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الكمية.
لكن اختيار المجالات يجب أن يستند إلى تقييم علمي مستقل للقدرات القائمة والفرص المستقبلية، لا إلى جاذبية العناوين أو كثافة الاهتمام الإعلامي بها.
ويحتاج البرنامج إلى تمويل متعدد السنوات، وتقييم دولي مستقل، ومرونة إدارية، وآليات لاختيار القيادات العلمية وفق الكفاءة، ومسارات لتدريب الباحثين الشباب.
كما ينبغي أن يسمح بتمويل بعض المشروعات عالية المخاطر العلمية، بشرط جودة المنهج ووضوح الفرضيات وإمكان تقييم التقدم.
فالبحث الذي يسعى إلى اكتشاف جديد لا يمكن إدارته بالكامل بمنطق العقود قصيرة الأجل التي تشترط نتائج مضمونة مسبقًا.
ومن الضروري أيضًا حماية استقلالية التقييم العلمي، وتجنب تضارب المصالح، وربط استمرار التمويل بجودة الأداء لا بالعلاقات الشخصية أو المكانة الإدارية.
خطة حتى عام 2035.. كيف نقيس التغيير؟
إذا أردنا تحويل هذا النقاش إلى سياسة عملية، فيمكن وضع إطار إصلاحي يمتد من عام 2027 إلى عام 2035.
تبدأ المرحلة الأولى بمراجعة شاملة للقدرات البحثية، تشمل المعامل والأجهزة والكوادر والتمويل والمشروعات القائمة، بهدف تحديد نقاط القوة والفجوات الحقيقية.
وتتضمن المرحلة التالية تطوير مراكز بحثية متخصصة تمتلك تمويلًا مستقرًا، مع منح الباحثين الشباب فرصًا لقيادة مشروعات مستقلة، وتوسيع الشراكات الدولية، وتطوير نظم مشاركة الأجهزة والبيانات.
أما المرحلة الأطول، فتركز على بناء مدارس بحثية مستدامة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في البحث والتطوير، وتحسين نقل التكنولوجيا، ودعم المشروعات التي تمتلك فرصًا لإنتاج معرفة جديدة ذات تأثير عالمي.
ويجب أن تُقاس النتائج بمؤشرات تتجاوز عدد الأبحاث المنشورة.
ومن أهمها جودة المخرجات العلمية، وقابلية إعادة إنتاج النتائج، وعدد المشروعات البحثية طويلة الأجل، ونسبة الباحثين الذين يمتلكون تمويلًا مستقرًا، وحجم التعاون الدولي القائم على قيادة علمية حقيقية، وعدد التقنيات التي انتقلت إلى التطبيق، وقيمة العقود البحثية مع الصناعة.
كما ينبغي قياس عدد الشركات المنبثقة عن الجامعات، والإيرادات الناتجة عن ترخيص التكنولوجيا، والاختراعات التي وصلت إلى السوق، والأثر الفعلي للأبحاث في معالجة المشكلات الوطنية.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأبحاث النظرية أو الأساسية التي قد لا تكون لها تطبيقات تجارية مباشرة.
فبعض أعظم التحولات التكنولوجية بدأت بأسئلة علمية لم يكن أصحابها يعرفون كيف ستُستخدم نتائجها بعد عقود.
ولهذا يجب أن تتوازن منظومة التقييم بين الأصالة العلمية والأثر المعرفي والتطبيق الاقتصادي، دون اختزال جميع الأبحاث في مؤشر مالي واحد.
الجائزة ليست الهدف.. الاكتشاف هو الهدف
قد يكون من المغري أن نضع الفوز بجائزة علمية عالمية ضمن الأهداف الوطنية، لكن الجوائز الكبرى لا تخضع لخطة إنتاج أو جدول زمني يمكن ضمانه.
فقد يؤدي اكتشاف علمي مهم إلى تقدير دولي بعد سنوات طويلة، وقد يحقق باحثون إسهامات استثنائية دون أن يحصلوا على جائزة بعينها.
ولهذا فإن بناء سياسة علمية هدفها الأساسي الحصول على الجوائز قد يوجه الموارد نحو مؤشرات رمزية بدلًا من تطوير المعرفة نفسها.
أما بناء منظومة قادرة على إنتاج اكتشافات أصيلة، وتدريب علماء متميزين، وتطوير تقنيات مؤثرة، فهو هدف يمكن العمل عليه وقياس عناصر التقدم نحوه.
وإذا نجحت المنظومة في ذلك، فقد تأتي الجوائز الدولية باعتبارها إحدى نتائج التميز، لا باعتبارها الغاية الوحيدة منه.
والأهم أن مصر لا تحتاج فقط إلى عالم استثنائي يظهر مرة كل عدة عقود، بل تحتاج إلى مؤسسات تستطيع إنتاج أجيال متعاقبة من الباحثين المتميزين.
فالعالم الفرد يستطيع أن يحقق إنجازًا كبيرًا، لكن المدرسة العلمية المستدامة تستطيع أن تحول الإنجاز الفردي إلى قدرة وطنية متجددة.
المشكلة التي لا نحب الاعتراف بها
قد تكون أصعب خطوة في إصلاح البحث العلمي هي الاعتراف بأن بعض المشكلات لا ترتبط بالتمويل وحده، بل بثقافة الإدارة الأكاديمية نفسها.
فالباحث الذي لا يستطيع مناقشة فكرة مخالفة لرأي رئيسه بحرية قد يتردد في طرح فرضيات جديدة.
والباحث الشاب الذي يرى أن فرص التقدم تتأثر بالعلاقات أكثر من جودة العمل قد يفقد الحافز للمغامرة العلمية.
والمؤسسة التي تكافئ كثرة الأوراق العلمية دون التحقق من أصالتها قد تدفع بعض الباحثين إلى اختيار الكم على حساب العمق.
والمعمل الذي يفتقر إلى قواعد واضحة لتوزيع الموارد قد يتحول إلى مساحة للتنافس الإداري بدلًا من التعاون العلمي.
ولهذا فإن تطوير البحث العلمي يحتاج إلى بيئة تحترم الجهد، وتكافئ الإنجاز الحقيقي، وتحمي النزاهة العلمية، وتتيح النقد المهني، وتمنح الباحثين الشباب فرصًا عادلة.
كما يحتاج إلى قيادة مؤسسية تدرك أن دورها ليس السيطرة على كل قرار علمي، وإنما توفير الظروف التي تسمح للعلماء بالعمل والإبداع وتحمل المسؤولية.
فالعقول المتميزة لا تزدهر في بيئة تخشى الأسئلة الجديدة أو تعاقب التجربة التي لم تنجح.
ماذا نريد من 140 ألف باحث؟
ليس المطلوب أن يفوز كل باحث بجائزة عالمية، ولا أن ينتج كل بحث براءة اختراع، ولا أن تتحول كل جامعة إلى شركة تكنولوجية.
المطلوب هو أن تصبح هذه القاعدة البشرية الواسعة جزءًا من منظومة قادرة على إنتاج المعرفة وتراكمها وتطويرها.
وأن يحصل الباحث الجاد على الوقت والإمكانات والحرية والمسؤولية اللازمة للعمل.
وأن تجد الأفكار الواعدة طريقًا واضحًا من المعمل إلى التطبيق عندما تكون قابلة لذلك.
وأن تحظى البحوث الأساسية بالدعم حتى عندما لا يكون عائدها الاقتصادي المباشر واضحًا.
وأن تُقاس جودة الجامعات بقدرتها على إنتاج المعرفة وتنمية العقول وخدمة المجتمع، لا بعدد الأوراق المنشورة وحده.
وأن يتحول التعاون الدولي من وسيلة لزيادة النشر إلى شراكة حقيقية في صناعة الاكتشافات.
إن مصر تمتلك قاعدة بشرية وعلمية يمكن البناء عليها، لكن تحويل هذه القاعدة إلى قوة معرفية عالمية يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية طويلة الأجل، لا إلى حملات مؤقتة تتجدد كلما أُعلنت جائزة دولية.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا لا يظهر اسم مصري جديد على منصة تتويج عالمية، وإنما لماذا لا تمتلك مؤسساتنا العلمية بصورة أكثر انتظامًا الظروف التي تجعل الاكتشافات الكبرى ممكنة.
فالجوائز لا تصنع العلماء، وإنما العلماء يصنعون المعرفة التي قد تستحق الجوائز.
والبحث العلمي لا يتقدم بمجرد زيادة عدد الأوراق، وإنما بزيادة قدرتنا على طرح الأسئلة الصحيحة، واختبار الأفكار الجريئة، وتراكم الخبرة، وتحويل المعرفة إلى تقدم إنساني واقتصادي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمنظومة بحثية ليس أن يقل عدد علمائها، بل أن تمتلك آلاف العقول المتميزة ثم تجعل معظم طاقتها موجهة إلى استيفاء متطلبات النشر والترقية بدلًا من صناعة الاكتشاف.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام مصر ليس أن تنتظر ظهور عبقرية علمية جديدة، وإنما أن تبني منظومة تستطيع اكتشاف العبقرية ورعايتها، وتمنح الباحث العادي المجتهد فرصة ليصبح عالمًا مؤثرًا، وتسمح للفرق البحثية بأن تعمل سنوات طويلة دون أن تبدأ من الصفر مع كل مشروع جديد.
فالعلم لا يحتاج إلى بطل يظهر مصادفة كل ربع قرن، بل إلى مؤسسات تصنع بيئة يستطيع فيها آلاف الباحثين أن يتقدموا، وعشرات الفرق أن تكتشف، وأجيال متعاقبة أن تبني على ما سبقها.
وعندما ننجح في ذلك، لن يصبح السؤال الذي نطرحه كل عام هو لماذا غاب المصريون عن الجوائز العلمية العالمية.
بل سيكون السؤال الأكثر أهمية:
ما الاكتشاف الجديد الذي قدمته مؤسساتنا العلمية للعالم هذا العام؟
وعندها فقط نكون قد انتقلنا من البحث عن جائزة إلى بناء وطن قادر على صناعة المعرفة.
الأستاذ الدكتور وائل بدوي
أستاذ هندسة الحاسبات والذكاء الاصطناعي
كلية الهندسة – الجامعة المصرية الروسية





