من جامعة القاهرة.. غوتيريش يعيد القضية الفلسطينية إلى ضمير العالم: هل تكفي كلمات الحق لإنهاء مأساة شعب؟

من جامعة القاهرة.. غوتيريش يعيد القضية الفلسطينية إلى ضمير العالم: هل تكفي كلمات الحق لإنهاء مأساة شعب؟
بقلم: الأستاذ الدكتور وائل بدوي
في لحظة تاريخية تتداخل فيها المآسي الإنسانية مع الحسابات السياسية، وتتصاعد فيها التساؤلات حول مستقبل النظام الدولي وقدرته على حماية الشعوب، جاءت تصريحات أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من قلب جامعة القاهرة، لتعيد طرح القضية الفلسطينية باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لضمير الإنسانية ومصداقية القانون الدولي، وليس مجرد نزاع سياسي يمكن احتواؤه بالمفاوضات والبيانات الدبلوماسية.
لم تكن الكلمات التي ألقاها غوتيريش في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، مجرد خطاب بروتوكولي بمناسبة يوم الأمم المتحدة، وإنما حملت رسائل سياسية وإنسانية وقانونية تتجاوز حدود المناسبة، وتفتح الباب أمام أسئلة جوهرية عن العدالة الدولية، وحقوق الشعب الفلسطيني، وحدود قدرة المؤسسات الأممية على الانتقال من إدانة الانتهاكات إلى منعها ومحاسبة المسؤولين عنها.
لقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن السلام المستدام في الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه دون الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير، مشددًا على أن حل الدولتين يظل المسار القابل للتطبيق لتحقيق السلام العادل والدائم.
وهذه الرسالة، رغم أنها ليست جديدة في الخطاب الرسمي للأمم المتحدة، تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة، وما تعرض له قطاع غزة من دمار واسع ومعاناة إنسانية غير مسبوقة، وما تواجهه القضية الفلسطينية من تحديات تهدد مستقبل التسوية السياسية برمتها.
القضية الفلسطينية ليست أزمة إنسانية فقط
من أبرز الدلالات السياسية لتصريحات غوتيريش أنه أعاد التأكيد على العلاقة الوثيقة بين السلام وحقوق الشعب الفلسطيني.
فالقضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في أزمة مساعدات إنسانية، أو مشكلة إعادة إعمار، أو ترتيبات أمنية مؤقتة. إنها في جوهرها قضية شعب يطالب بحقوقه الوطنية والسياسية والإنسانية، وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين معالجة النتائج الإنسانية للصراع ومعالجة أسبابه السياسية والقانونية.
فإيصال الغذاء والدواء إلى المدنيين ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، لكنه لا يمثل بديلًا عن إنهاء الظروف التي تنتج المعاناة بصورة متكررة.
وإعادة بناء المستشفيات والمدارس والمنازل ضرورة لا غنى عنها، لكنها لا تكفي وحدها لضمان مستقبل آمن إذا ظلت الأسباب الأساسية للصراع قائمة.
إن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل غياب الاستقرار والحقوق الأساسية، كما أن السلام لا يمكن أن يستمر إذا اقتصر على وقف إطلاق النار دون معالجة جذور النزاع.
ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات غوتيريش تعيد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف إنساني يحتاج إلى التمويل والإغاثة، وإنما قضية سياسية وقانونية تتطلب تسوية عادلة ومستدامة.
غزة تكشف أزمة النظام الدولي
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا بعد تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة هو: لماذا يعجز النظام الدولي، رغم امتلاكه منظومة واسعة من القوانين والمؤسسات والاتفاقيات، عن منع المآسي الإنسانية أو وقفها بالسرعة المطلوبة؟
لقد شهد العالم خلال السنوات الماضية تكرار الدعوات الدولية لحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات، ووقف العمليات العسكرية التي تعرض حياة السكان للخطر.
لكن استمرار المعاناة يطرح إشكالية تتجاوز القضية الفلسطينية إلى طبيعة النظام الدولي نفسه.
فالأمم المتحدة تمتلك شرعية قانونية وأخلاقية واسعة، لكنها لا تمتلك دائمًا القدرة السياسية والتنفيذية اللازمة لفرض قراراتها، خصوصًا عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى أو تواجه انقسامات داخل مجلس الأمن.
وهنا تتجلى الفجوة بين القانون الدولي باعتباره منظومة من المبادئ والقواعد، وبين السياسة الدولية باعتبارها ساحة تتفاعل فيها المصالح والتحالفات وموازين القوة.
إن خطورة هذه الفجوة لا تقتصر على إضعاف قدرة المؤسسات الدولية على التدخل، وإنما تمتد إلى التأثير في ثقة الشعوب بجدوى النظام الدولي ذاته.
فعندما يرى المواطن أن المبادئ الإنسانية تُعلن بوضوح، بينما يتأخر تنفيذها أو تتعثر آليات إنفاذها، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى فاعلية المؤسسات الدولية وقدرتها على تحقيق العدالة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الأمم المتحدة، بل يؤكد ضرورة إصلاح آليات العمل الدولي وتعزيز قدرة المؤسسات الأممية على حماية المدنيين ومتابعة تنفيذ القرارات ذات الصلة.
بين إدانة العنف ورفض العقاب الجماعي
حرص غوتيريش في كلمته على إدانة الهجمات التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر، وفي الوقت نفسه رفض تبرير حجم القتل والدمار الذي أعقبها في قطاع غزة.
وتحمل هذه المقاربة دلالة قانونية مهمة، تتمثل في أن الالتزام بالقانون الدولي الإنساني لا ينبغي أن يكون انتقائيًا أو مرتبطًا بهوية الطرف الذي يرتكب الانتهاك.
فحماية المدنيين ليست امتيازًا سياسيًا تمنحه الدول أو تحجبه وفقًا لمواقفها، وإنما التزام قانوني وإنساني ينطبق على أطراف النزاعات المسلحة.
كما أن وقوع انتهاك للقانون الدولي لا يمنح أي طرف حق ارتكاب انتهاكات أخرى ردًا عليه.
وتستند هذه القاعدة إلى المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في الهجمات، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان المدنيين، وحظر العقاب الجماعي.
ومن ثم، فإن إدانة الهجمات ضد المدنيين الإسرائيليين لا تتعارض مع إدانة الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون، بل تنطلق من المبدأ القانوني نفسه.
والمطلوب من المجتمع الدولي ليس المفاضلة بين الضحايا، وإنما تطبيق القواعد القانونية على الجميع دون تمييز.
حل الدولتين بين الشرعية الدولية والواقع السياسي
أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن حل الدولتين يظل المسار الواقعي لتحقيق السلام.
غير أن هذا التأكيد يطرح تساؤلًا بالغ الأهمية: كيف يمكن تحويل حل الدولتين من مبدأ دبلوماسي متكرر إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ؟
لقد أصبح الحديث عن حل الدولتين جزءًا ثابتًا من الخطاب الدولي، لكن تكرار الدعوة إليه لا يعني بالضرورة أن الظروف السياسية والميدانية أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيقه.
فالتوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعقيدات الوضع في القدس، والانقسام السياسي الفلسطيني، والتحديات الأمنية، وغياب الثقة بين الأطراف، كلها عوامل تجعل تنفيذ هذا الحل أكثر تعقيدًا.
كما أن التسوية السياسية تتطلب معالجة قضايا الحدود والأمن واللاجئين والسيادة والموارد، ضمن إطار تفاوضي يستند إلى القانون الدولي والقرارات ذات الصلة.
ومن هنا، فإن أهمية تصريحات غوتيريش لا تكمن فقط في تجديد التأكيد على حل الدولتين، وإنما في ضرورة ربط هذا الموقف بخطوات عملية وجداول زمنية وآليات متابعة وضمانات دولية.
فالمشكلة ليست في نقص المبادئ المعلنة، وإنما في الصعوبات التي تواجه تحويلها إلى واقع سياسي مستدام.
لماذا اختار غوتيريش جامعة القاهرة؟
لا يمكن قراءة خطاب الأمين العام للأمم المتحدة بمعزل عن المكان الذي أُلقي فيه.
فجامعة القاهرة ليست مجرد مؤسسة تعليمية تستضيف شخصية دولية بارزة، وإنما تمثل أحد أهم الرموز التاريخية للتعليم العالي والفكر والحوار العام في مصر والمنطقة العربية.
ومنذ تأسيسها، ارتبطت الجامعة بتحولات فكرية واجتماعية وسياسية كبرى، وأسهمت في إعداد أجيال من العلماء والمفكرين وصناع القرار.
ولذلك فإن إلقاء خطاب يتناول مستقبل السلام وحقوق الشعوب داخل قاعة الاحتفالات الكبرى يحمل دلالة تتجاوز الجانب البروتوكولي.
فالجامعة، في مفهومها الحضاري، ليست مكانًا لنقل المعرفة فحسب، وإنما مساحة لإنتاج الوعي النقدي، ومناقشة القضايا الكبرى، وربط المعرفة العلمية بالمسؤولية الإنسانية.
والقضية الفلسطينية، بما تتضمنه من أبعاد تاريخية وقانونية وسياسية واجتماعية، تمثل موضوعًا يتطلب مساهمة متعددة التخصصات من الجامعات ومراكز البحوث.
فكليات القانون يمكن أن تسهم في تحليل آليات المساءلة الدولية، وكليات الاقتصاد تستطيع دراسة تكاليف الصراع وإعادة الإعمار، وكليات الهندسة يمكن أن تقدم حلولًا لإعادة بناء البنية التحتية، بينما تستطيع كليات الطب والصحة العامة المساهمة في دراسة آثار النزاعات على الصحة الجسدية والنفسية.
كما يمكن لتخصصات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات أن تقدم أدوات لدعم تحليل الأضرار، وتقدير الاحتياجات الإنسانية، وتحسين تخطيط الخدمات وإعادة الإعمار، مع الالتزام بحماية البيانات والخصوصية وتجنب الاستخدامات التي قد تعرض المدنيين لمخاطر إضافية.
وبذلك تصبح الجامعة شريكًا معرفيًا محتملًا في مواجهة آثار الأزمات الإنسانية، لا مجرد منصة لاستضافة الخطابات السياسية.
الدور المصري في معادلة السلام
أشاد غوتيريش بالدور المصري في دعم الحقوق الفلسطينية، وجهود الوساطة وتسوية النزاعات، مؤكدًا أهمية مصر في تعزيز العمل متعدد الأطراف.
وتعكس هذه الإشادة الموقع الذي تحتله مصر في الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها الإقليمية ودورها التاريخي في عمليات التفاوض والوساطة.
وتكتسب الجهود المصرية أهمية خاصة في الملفات المرتبطة بوقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ودعم التفاهمات السياسية، والمساهمة في جهود إعادة الإعمار.
لكن نجاح أي دور دبلوماسي لا يعتمد على دولة واحدة، مهما بلغت أهميتها، وإنما يتطلب تعاون الأطراف المعنية، وتوافر الإرادة السياسية، ووجود ضمانات لتنفيذ الاتفاقات.
ومن هنا، فإن الإشادة بالدور المصري ينبغي أن تقترن بمناقشة التحديات العملية التي تواجه الوساطة، وكيفية تعزيز الدعم الدولي لها، وتوفير الموارد اللازمة لمعالجة الأزمة الإنسانية.
كما أن استقرار المنطقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتطورات القضية الفلسطينية، لأن استمرار الصراع لا يقتصر أثره على أطرافه المباشرين، بل يمتد إلى الأمن الإقليمي والتجارة والاستثمار والتنمية.
العدالة الدولية ومشكلة المعايير المزدوجة
أحد أهم الأسئلة التي تثيرها تصريحات غوتيريش يتعلق بمصداقية النظام الدولي ومدى اتساق تطبيق قواعده.
فالقانون الدولي يفترض المساواة في الالتزامات القانونية الأساسية، لكن آليات إنفاذه تتأثر أحيانًا بالتوازنات السياسية والمؤسسية.
ويظهر هذا التوتر بوضوح عندما تختلف سرعة الاستجابة الدولية للأزمات أو تتفاوت مستويات الدعم السياسي للإجراءات القانونية والإنسانية.
ومن الضروري هنا التمييز بين وجود القاعدة القانونية وبين قدرة المؤسسات على تنفيذها.
فمحكمة العدل الدولية، على سبيل المثال، تؤدي دورًا في الفصل في النزاعات القانونية بين الدول وإصدار التدابير المؤقتة وفقًا لاختصاصها، بينما تختص المحكمة الجنائية الدولية، ضمن حدود ولايتها، بالمسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية.
أما مجلس الأمن فيتحمل مسؤوليات أساسية تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، لكن قراراته تتأثر بالقواعد المؤسسية المنظمة لعمله، ومنها حق النقض الذي تتمتع به الدول الخمس الدائمة العضوية.
وهذا التوزيع للاختصاصات يوضح أن تحقيق العدالة الدولية عملية قانونية وسياسية معقدة، ولا يمكن اختزالها في بيان صادر عن الأمين العام أو قرار صادر عن مؤسسة واحدة.
ومع ذلك، فإن تعقيد النظام الدولي لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لقبول استمرار الانتهاكات أو تعطيل المساءلة.
بل يفرض ضرورة تطوير آليات التعاون الدولي، وتعزيز استقلال المؤسسات القضائية، ودعم تنفيذ الالتزامات القانونية والإنسانية.
هل أصبحت الإنسانية بحاجة إلى نظام دولي أكثر عدالة؟
تدفعنا تصريحات غوتيريش إلى التفكير في سؤال أكبر من القضية الفلسطينية، وهو مستقبل الحوكمة العالمية في عالم يشهد أزمات متداخلة.
فالنظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية تأسس على مبادئ منع الحروب، وحماية حقوق الإنسان، وتعزيز التعاون بين الدول.
لكن التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية والاقتصادية التي شهدها العالم تفرض تحديات جديدة على المؤسسات التي نشأت في سياق تاريخي مختلف.
ولذلك فإن إصلاح الحوكمة الدولية لا ينبغي أن يقتصر على إعادة توزيع النفوذ السياسي، وإنما يجب أن يشمل تعزيز الشفافية والمساءلة والقدرة على الاستجابة السريعة للأزمات الإنسانية.
كما ينبغي توسيع مشاركة الدول النامية في صياغة القرارات الدولية، وتعزيز دور المؤسسات العلمية والجامعات ومراكز الفكر في تقديم الأدلة والتحليلات التي تدعم السياسات العامة.
إن العالم لا يعاني فقط من نقص الحلول المقترحة، بل يعاني كذلك من فجوة بين المعرفة المتاحة والإرادة السياسية اللازمة للاستفادة منها.
ماذا بعد خطاب جامعة القاهرة؟
من السهل أن تتحول الزيارات الدولية والخطابات الكبرى إلى مناسبات إعلامية تنتهي بانتهاء مراسمها، لكن القيمة الحقيقية لهذه الأحداث تتحدد بما تتركه من أثر معرفي ومؤسسي وسياسي.
ولذلك فإن تصريحات غوتيريش تتيح فرصة للجامعات المصرية والعربية لتطوير برامج بحثية وتعليمية تتناول القانون الدولي الإنساني، وتسوية النزاعات، وحقوق الإنسان، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة في المجتمعات المتأثرة بالحروب.
كما يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لحوار أكاديمي أوسع حول مسؤولية المؤسسات التعليمية في بناء ثقافة السلام، وتعزيز التفكير النقدي، وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع الأزمات الدولية المعقدة.
فالتعليم الجامعي لا ينبغي أن ينفصل عن القضايا الإنسانية الكبرى، كما أن البحث العلمي لا تقتصر قيمته على النشر الأكاديمي، وإنما تمتد إلى قدرته على المساهمة في معالجة المشكلات التي تواجه المجتمعات.
وفي الحالة الفلسطينية، تبرز الحاجة إلى دراسات علمية موثقة حول الآثار الصحية والتعليمية والاقتصادية والبيئية للحرب، وإلى نماذج قابلة للتطبيق لإعادة بناء المؤسسات والخدمات الأساسية.
ومن المهم كذلك أن تشارك الجامعات في توثيق التجارب الإنسانية، وحفظ الذاكرة التاريخية، وتطوير أدوات علمية لمكافحة التضليل المعلوماتي المرتبط بالنزاعات المسلحة.
كلمة أخيرة: فلسطين ليست اختبارًا للسياسة وحدها، بل للضمير الإنساني
إن الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من خطاب أنطونيو غوتيريش في جامعة القاهرة هي أن السلام لا يتحقق بمجرد توقف أصوات المدافع، وإنما يتطلب الاعتراف بالحقوق، وضمان العدالة، وإعادة بناء الثقة، وتوفير الظروف التي تسمح للإنسان بأن يعيش بكرامة وأمان.
لقد أصبح العالم يمتلك من التكنولوجيا والمعرفة والموارد ما يسمح له بتحسين حياة مليارات البشر، لكنه لا يزال يواجه صعوبات هائلة في منع الحروب وحماية المدنيين وإنفاذ القانون الدولي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في عصرنا: نتقدم بسرعة غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي والطب والاتصالات واستكشاف الفضاء، بينما لا تزال الإنسانية عاجزة عن ضمان أبسط حقوق الإنسان في مناطق النزاع.
ولذلك فإن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش، بل بدايته.
فالمطلوب ليس فقط أن يستمع العالم إلى دعوات وقف الحرب وحماية المدنيين، وإنما أن تتحول هذه الدعوات إلى التزامات قابلة للتنفيذ، وآليات للمساءلة، وخطوات سياسية تعالج جذور الصراع.
كما أن المطلوب من الجامعات ألا تكتفي بالاحتفاء بالزيارات الدولية، بل أن تستثمرها في إنتاج المعرفة وتعميق الحوار وتقديم حلول علمية للمشكلات الإنسانية.
لقد تحدث غوتيريش من جامعة القاهرة عن حقوق الشعب الفلسطيني، وعن ضرورة السلام، وعن مسؤولية المجتمع الدولي.
لكن السؤال الذي سيظل مطروحًا بعد انتهاء المحاضرة هو: هل يستطيع العالم أن ينتقل من الاعتراف بالحقوق إلى ضمان ممارستها، ومن إدانة الانتهاكات إلى منع تكرارها، ومن الحديث عن السلام إلى بناء شروطه الحقيقية؟
إن مستقبل القضية الفلسطينية لن يتحدد بقوة الخطابات وحدها، وإنما بمدى قدرة المجتمع الدولي والأطراف المعنية على تحويل المبادئ المعلنة إلى واقع يضمن الحرية والكرامة والأمن والعدالة.
فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية حدود وأرض، وإنما قضية حقوق إنسان، واختبار لمصداقية القانون الدولي، وامتحان لقدرة الحضارة الإنسانية على أن تجعل العدالة واقعًا لا شعارًا.
والسلام الذي لا يستند إلى العدالة قد يوقف الحرب مؤقتًا، لكنه لا يضمن ألا تعود من جديد.






