حينما تعاملتَ مع بعض البشر.. أدركتَ قيمة ورُقيّ الحيوان

حينما تعاملتَ مع بعض البشر..
أدركتَ قيمة ورُقيّ الحيوان
بقلم : د. حسين المطعنى
كلما أوغل المرءُ في دروب بني آدم، واصطدم بدهاليز طباعهم وتقلبات أهوائهم، تملكه ذهولٌ يعقبه انكسار، ثم تشرق في بصيرته حقيقةٌ لا مراء فيها:
كم ظُلمت الوحوش حين شبّهنا بها قساةَ القلوب من البشر، وكم ارتقت رتبة الحيوان الأعجم في ميزان الفطرة، حين هبط الإنسان بعقله إلى حضيض اللؤم، والمكر، والجحود!
الحيوانُ في برّيته لا يخون يداً مدت له طعاماً، ولا ينبح الكلب على مَن أطعمَه، بل يقضي عمره حارساً لدارك، يفي بلقمةٍ ألقيتها إليه بلا منّ، ويهزّ ذيله امتناناً لمسحةٍ على رأسه، لا يسألك خلفيةَ عطائك، ولا يدّعي أنك أطعمته لترائي به العالمين!
أما في عالم البشر، فإنك تجد من إذا داويتَ جراحه عاب يدك، وإذا تكفلت بآلامه اتهمك في شرف نيتك، وإذا كففته عن المسألة وحملت عنه ثقل الفحوص والإنفاق لوجه الله، قال في تبجح:
“أنا لم أشحذ منكم، وكل هذا لم يكن إلا لغرض”!
تأمل رُقيّ الدابة، إن أحسنتَ إليها أظهرت خضوعها، وإن عجزت يوماً عن سقايتها لفتك بعين راجية دون أن تنطحك.
لكن بعض النفوس الآدمية تفوق كل خيال مريض؛ تأخذ الفضل وتستنزف الجهود والأموال والتحاليل والمزارع، ثم حين ينشغل الطبيب بإنقاذ روحٍ أخرى تحتضر بين الحياة والموت، ينقلب الودّ نهشاً، وتتحول الألسنة إلى شواظ من نار! يصرخون بالغل: “لماذا لم يرد على رسائلنا في التو واللحظ؟ أين اهتمامه؟ أهو يتجاهلنا؟!”.
ألا يعلم هؤلاء أن الطبيب ليس خادماً في بلاط أوهامهم، بل هو جندي في محراب إنقاذ الأرواح، لا يملك ترف السهر للرد على ترّهات الشك والابتزاز؟!
والأدهى من ذلك وأمرّ، تلك العنجهية الجوفاء التي يتفوه بها ناكر المعروف حين يتوهم أنه من صنع للمحسنين مجداً، فيقول بصفاقة تحرق المروءة:
“أنا من أصعدتكم المسرح وأنا من سأنزلكم منه”!
يا لسخرية الأقدار؛ متى كان المستجدي على أعتاب الكرم صانعاً للمتفضلين؟!
هل رأيتم شجرةً مثمرة يصعد في ظلها طائر كسير الجناح، فلما شُفي ونبت ريشه، ادّعى أنه هو الذي غرس الشجرة وأنه قادر على اقتلاعها من جذورها؟! إن نكران الجميل حين يرتدي ثوب الاستعلاء، يُرينا كيف يستحيل الجهل وقاحة، وكيف يتحول البلاء إلى تجارة يُبتز بها كل من تحركت نخوته للمساعدة.
الحيوان الصامت يعيش بفطرته نزيهاً؛ لا يرمي من أحسن إليه بالبهتان، ولا يفتري عليه بالأكاذيب ويقول: “جعلتمونا باباً لدخول المقامات وقضاء المآرب”، ولا يتربص بك ليفسر كل سعي لتطبيبه وسفره وعلاجه بأنه مؤامرة ومكيدة. الحيوان لا يعرف الازدواجية؛ لا يبتسم في وجهك ليأخذ الدواء، ثم إذا أدار ظهره قذف في عرضك ونبش في نواياك واخترع في خياله أزمات وقضايا لا صلة لها بصلب الرحمة والإنسانية.
تبّاً لعقلٍ صار سوطاً على ظهور المحسنين، ومرحى بفطرة بهيمةٍ لا تنطق لكنها تصون الجميل ولا تعض اليد التي كفكفت دمعتها.
من يعيش على التجارة بمواجعه، واقتيات الفضائح، وتهديد أهل الفضل بالتشويه إن لم يخضعوا لمزايداته؛ هو أبعد ما يكون عن شرف الإنسانية، وأولى به أن يتعلم من الدواب أدب الوفاء، وطهارة السريرة، وحفظ العهد. إن صنائع المعروف تبقى كالجبال الشمّ لا تضرها سفاهة العابرين، لكنها مرآة كاشفة تثبت لنا يوماً بعد يوم:
أن بعض البشر إن نزعت منهم قناع المصلحة، لم تجد في بواطنهم حتى ذرة من مروءة ذلك الحيوان الأعجم!






