اخبار مصر

د. حسين المطعنى يكتب : شفرة ٢٠٣٠.. كيف يُحسم مصير الرئاسة دستورياً بين قفل المادة ٢٢٦ وإرادة الأمة؟

شفرة ٢٠٣٠.. كيف يُحسم مصير الرئاسة دستورياً بين قفل المادة ٢٢٦ وإرادة الأمة؟

كتب : د. حسين المطعنى

تصل الدول في مسيراتها الكبرى إلى لحظات مفصلية، تتداخل فيها ضرورات الحفاظ على الاستقرار واستكمال المشروعات القومية العملاقة مع قدسية النصوص الدستورية الحاكمة. وفي الحالة المصرية، لا يختلف منصف على حجم الإنجازات الاستراتيجية التي وُضعت لبناتها خلال العقد المنصرم؛ غير أن حب الوطن والرغبة الصادقة في صيانة مكتسباته يفرضان الحديث بلغة القانون الدستوري المجرد بعيداً عن ضباب العواطف أو فخاخ الارتجال التشريعي.

إن الحديث عن أفق الحكم في مصر بحلول عام ٢٠٣٠ يضع الدولة ومؤسساتها أمام حقيقة قانونية حاسمة لا تحتمل المواربة: إن تمديد فترات الرئاسة أو فتحها من جديد لا يمكن أن يتم بقرار برلماني اعتيادي أو حزمة تعديلات مدمجة في استفتاء واحد، ومن يدعو إلى ذلك يرتكب مخالفة دستورية تسقط المشروعية في مهدها.

والسبب في ذلك يعود إلى وجود حائط صد قانوني يُعرف في الفقه الدستوري بـ «الحظر الموضوعي المطلق» المتضمن في الفقرة الأخيرة من المادة (٢٢٦)، والتي تشترط منطقياً وإجرائياً سلوك مسار تشريعي مزدوج قوامه تعديلان دستوريان مستقلان زمنياً وإجرائياً.

فيما يلي تفكيك هذه القضية الدستورية عبر النصوص الكاملة ومقارنتها تاريخياً ودولياً من خلال اثني عشر سبباً وركيزة قاطعة:

 

أولاً: نصوص الدستور المصري ومواضع التعارض الإجرائي

المادة (١٤٠) من دستور ٢٠١٤:

النص قبل تعديل ٢٠١٩:  «يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة.»

النص بعد تعديل ٢٠١٩:
«يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة ست سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين متتاليتين.»

المادة الانتقالية (٢٤١ مكرراً) – استُحدثت في تعديل ٢٠١٩:

«تنتهي مدة رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء ست سنوات من تاريخ إعلان انتخابه رئيساً للجمهورية في 2018، ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية.»

المادة (٢٢٦) – قفل الأمان الدستوري الحاكم (الفقرة الأخيرة):

 «… وفي جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات.»

ثانياً: الأسباب الاثنا عشر وخارطة التعديل الإجرائي

 

١. بطلان كسر القفل والباب في إجراء واحد (استحالة الجمع)

لا يمكن لمجلس النواب دستورياً أن يناقش مقترحاً بتعديل المادة (١٤٠) أو إضافة مادة انتقالية جديدة طالما أن المادة (٢٢٦) لا تزال قائمة في صلب الوثيقة. فالمادة (٢٢٦) تُحرّم على البرلمان مجرد وضع هذا الملف على جدول الأعمال. لذا، فإن التقدم بتعديل المادتين معاً في استمارة استفتاء واحدة يُعد باطلاً؛ لأن المقترح الرئاسي وُلد محظوراً بقوة نص قائم.

٢. التراتبية الإلزامية للمسارين (المسار الأول ثم الثاني)

الطريق الدستوري السليم يتطلب خطوتين منفصلتين:

الخطوة الأولى: تقديم مقترح يستهدف حصراً تعديل المادة (٢٢٦) لحذف قيد الحظر المفروض على نصوص إعادة الانتخاب، وعرضه في استفتاء شعبي مستقل.

الخطوة الثانية: بعد سريان التعديل الأول وسقوط القيد رسمياً بنشره في الجريدة الرسمية، يُفتح الباب للبرلمان للتقدم بمقترح جديد ومستقل لتعديل مدد الرئاسة في المادة (١٤٠).

٣ . سابقة الرئيس أنور السادات (استفتاء مايو ١٩٨٠)

يحفظ التاريخ الدستوري المصري سابقة واضحة لكيفية تطويع النصوص عند الضرورات القومية لضمان استكمال المشروعات والمسار الوطني:
نص المادة (٧٧) من دستور ١٩٧١ قبل التعديل:
«مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمرة تالية متصلة.»

نص المادة (٧٧) بعد تعديل ٢٢ مايو ١٩٨٠:

 «مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى.»
أثبت هذا التعديل أن الإرادة الشعبية متى استُدعيت بالشكل الدستوري تملك تغيير قواعد المدد لمصلحة استكمال خطط الدولة التنموية والسياسية.

٤. تجربة روسيا وتعديل «تيريشكوفا» (تعديلات ٢٠٢٠)

واجهت روسيا القيد الصارم للمادة (٨١) من دستور ١٩٩٣ التي حظرت تولي الرئاسة لأكثر من فترتين متتاليتين. ولم يلتف المشرع الروسي على النص، بل أجرى تعديلاً معلناً شمل مصادقة المحكمة الدستورية الروسية أولاً على صياغة النص المعدل، ثم عُرض في استفتاء عام تضمن قاعدة خاصة لتصفير عداد الفترات السابقة؛ بما حصّن النظام من الطعون وسمح باستمرار القيادة لحماية الأمن القومي.

٥. النموذج الصيني وإلغاء القيد من المادة (٧٩) في ٢٠١٨

النص قبل ٢٠١٨:
«فترة ولاية رئيس ونائب رئيس جمهورية الصين الشعبية هي نفس فترة ولاية المجلس الوطني لنواب الشعب، ولا يجوز أن يشغلا مناصبهما لأكثر من فترتين متتاليتين.»
النص بعد مارس ٢٠١٨:
حُذفت الجملة الأخيرة بالكامل بقرار دستوري معلن؛ استناداً إلى أن استقرار التخطيط الاستراتيجي وقيادة ثاني أكبر اقتصاد عالمي يتطلبان إزالة السقوف الزمنية الجامدة.

٦. المعجزة الرواندية وتعديل دستور ٢٠١٥

كان الدستور الرواندي يقيد الرئاسة بمدتين بموجب المادة (١٠١). وبغية الحفاظ على المعجزة الاقتصادية التي أنقذت البلاد، تقدم البرلمان بتعديل المادة (١٠١) واستحداث المادة (١٧٢) التي نصت صراحة على مرحلة انتقالية مدتها سبع سنوات تليها فترات مدتها خمس سنوات، وخضعت التعديلات لاستفتاء شعبي نال موافقة كاسحة لضمان بقاء بول كاجامي واستمرار مسيرة النهضة.

٧. سابقة ديغول وإرادة الشعب التأسيسية (فرنسا ١٩٦٢)

تجاوز شارل ديغول قيود مسار التعديل المعقد الوارد في المادة (٨٩) من دستور الجمهورية الخامسة، ولجأ مباشرة إلى المادة (١١) لطرح تعديل انتخاب الرئيس عبر الاقتراع العام المباشر على الاستفتاء الشعبي. وأرست هذه السابقة قاعدة أن الشعب، بوصفه صاحب السيادة الأصلية، يعلو فوق أي قيد إجرائي متى عُرض الأمر عليه بصورة صريحة ومباشرة.

٨. سد الذرائع ودفع شبهة «التحايل على الدستور» (Fraude à la constitution)

إن تجميع النصوص في تعديل عشوائي يجعل الإجراءات عرضة للطعن بالتدليس التشريعي؛ أما انتهاج مسارين منفصلين تشريعياً وزمنياً فيمنح التعديل حصانة فقهية تامة تحمي قرارات الدولة وسمعتها القانونية إقليمياً ودولياً.

٩. الاستنفاد التام لرخصة المادة (٢٤١ مكرراً)

لقد قُيد الاستثناء الوارد في تعديلات ٢٠١٩ بعبارة صريحة: «ويجوز إعادة انتخابه لمرة تالية». وبأداء اليمين الدستورية في أبريل ٢٠٢٤، استُنفدت هذه الرخصة الدستورية بالكامل وانتهى أثرها؛ مما يجعل أي استمرار بعد عام ٢٠٣٠ مستحيلاً من دون تأسيس دستوري جديد يمر حتماً عبر تفكيك المادة (٢٢٦) أولاً.

١٠. سيادة الشعب تعلو على القيود الذاتية للدساتير

في الفقه الدستوري المقارن، وُضعت نصوص الحظر الذاتي (مثل المادة ٢٢٦) لتقييد ممثلي الشعب في البرلمان خشية استغلالهم للأغلبية العادية، لكنها لا تُصادر حق الأمة في إعادة صياغة ميثاقها؛ فالشعب الذي وضع القيد باستفتائه هو الوحيد الذي يملك إسقاطه بذات الأداة.

١١. مواءمة النصوص مع متطلبات المشروعات القومية المستدامة

الدساتير شُرعت لخدمة الشعوب وتأمين مصالحها العليا وليست أغلالاً تمنع إكمال الخطط التنموية الكبرى. وعندما تمر الدول بلحظات بناء فارقة تتطلب قيادة مستقرة، فإن القنوات الدستورية تظل متاحة لإعادة ضبط النصوص وفق متطلبات المرحلة، شريطة الالتزام بالمشروعية الإجرائية.

١٢. التتويج التاريخي للمشروعية والإنجازإن استمرار القيادة بدافع الإنجازات القومية الشاملة لا يكتمل إلا إذا تُوج بأرقى معايير الانضباط القانوني، لتدخل القرارات التاريخ من أوسع أبواب الاحترام المؤسسي وسيادة القانون، بعيداً عن أي مساس بأسس العدالة الدستورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى