مفارقة ثروات المؤثرين: عندما يصبح النجاح الرقمي مصدرًا للطموح والإحباط معًا
هل غيّرت منصات التواصل الاجتماعي مفهوم النجاح لدى الشباب العربي؟

مفارقة ثروات المؤثرين: عندما يصبح النجاح الرقمي مصدرًا للطموح والإحباط معًا
هل غيّرت منصات التواصل الاجتماعي مفهوم النجاح لدى الشباب العربي؟
بقلم: أ.د. وائل بدوي
أستاذ الهندسة والذكاء الاصطناعي – الجامعة المصرية الروسية
من سنوات الاجتهاد إلى دقائق الشهرة
تخيّل شابًا عربيًا يستيقظ مبكرًا كل يوم، ويقضي سنوات طويلة في الدراسة الجامعية، ثم يبدأ رحلة البحث عن وظيفة مناسبة، محاولًا بناء مستقبله خطوة بعد أخرى. وفي أثناء تصفحه هاتفه المحمول، يشاهد شابًا آخر في مثل عمره تقريبًا، يقف أمام سيارة فاخرة، أو يستعرض منزلًا ضخمًا، أو يتحدث عن أرباح مالية قد تتجاوز ما يتوقع أن يجنيه خريج جامعي خلال سنوات.
هنا لا تحدث مجرد مشاهدة عابرة لمقطع فيديو، بل تبدأ مقارنة صامتة قد تحمل أسئلة عميقة: هل يستحق التعليم كل هذا الجهد؟ هل ما زال العمل التقليدي طريقًا للنجاح؟ هل أصبحت الشهرة أكثر قيمة من المعرفة؟ ولماذا يبدو أن البعض يحقق في أشهر ما يحتاج الآخرون إلى سنوات طويلة لتحقيقه؟
هذه الأسئلة تمثل جوهر ظاهرة اجتماعية واقتصادية جديدة يمكن تسميتها «مفارقة ثروات المؤثرين».
وهي مفارقة لأن المشهد الرقمي نفسه قد يكون مصدر إلهام لشاب يدفعه إلى التعلم والابتكار وريادة الأعمال، بينما يتحول لدى شاب آخر إلى مصدر إحباط وشعور بعدم العدالة وفقدان الثقة في المستقبل المهني.
فكيف يمكن للمحتوى نفسه أن يصنع الطموح والإحباط معًا؟
اقتصاد جديد يصنع الثروة ويعيد تعريف النجاح
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل الصور والأخبار، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية متكاملة تقوم على الانتباه والتفاعل والبيانات والإعلانات والتأثير في قرارات المستهلكين.
وفي هذا الاقتصاد، يمكن تحويل الجمهور إلى قيمة تجارية، وتحويل المحتوى إلى مصدر للدخل، وتحويل الشهرة الرقمية إلى فرص استثمارية.
وقد أتاح هذا التحول فرصًا حقيقية لظهور مهن جديدة في مجالات صناعة المحتوى والتسويق الرقمي والإنتاج الإعلامي والتجارة الإلكترونية وريادة الأعمال.
ولا ينبغي التقليل من قيمة هذه المهن أو اعتبارها نشاطًا سهلًا لا يتطلب جهدًا أو خبرة؛ فصناعة المحتوى الناجحة قد تحتاج إلى مهارات متقدمة في التحليل والتصوير والتحرير والتسويق والإدارة وفهم سلوك الجمهور.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحالات الاستثنائية للنجاح المالي إلى صورة تبدو وكأنها القاعدة العامة.
فنحن نشاهد المؤثر الذي نجح، ولا نشاهد بالقدر نفسه آلاف الأشخاص الذين حاولوا ولم يحققوا النجاح ذاته.
ونشاهد السيارة الفاخرة، لكننا قد لا نعرف إن كانت مملوكة بالفعل أم مستأجرة لأغراض التصوير.
ونشاهد الرحلات والمشتريات، لكننا لا نعرف دائمًا حجم النفقات أو الالتزامات المالية أو طبيعة العقود الإعلانية التي تقف خلفها.
وهنا يظهر ما يمكن وصفه باختلال المعلومات الاقتصادية في البيئة الرقمية؛ إذ يرى المتابع النتيجة المرئية للنجاح دون أن يمتلك بالضرورة صورة متكاملة عن تكلفته واحتمالات تحقيقه واستدامته.
والأخطر أن هذا الاختلال قد يؤثر في الطريقة التي يقيّم بها الشباب حياتهم المهنية ومستقبلهم الاقتصادي.
المقارنة الاجتماعية: عندما يصبح الهاتف مرآة غير عادلة
في عام 1954، قدم عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر نظرية المقارنة الاجتماعية، التي تقوم على أن الإنسان يميل إلى تقييم قدراته ومكانته من خلال مقارنة نفسه بالآخرين.
وكانت هذه المقارنات تحدث تاريخيًا داخل دوائر اجتماعية محدودة نسبيًا، مثل الأسرة والأصدقاء وزملاء الدراسة والعمل.
أما اليوم، فقد أصبح الشاب قادرًا على مقارنة حياته اليومية بحياة مشاهير وأثرياء ومؤثرين يعيشون في بيئات اقتصادية واجتماعية مختلفة تمامًا.
والمشكلة ليست في المقارنة ذاتها، فهي جزء طبيعي من السلوك الإنساني، وإنما في طبيعة المقارنة ومعاييرها.
فالشاب الذي يقارن دخله الحالي بمظاهر الثراء الاستثنائي لأحد المؤثرين قد لا يأخذ في الاعتبار اختلاف رأس المال والفرص والعلاقات والمهارات والمخاطر، فضلًا عن احتمال أن تكون الصورة المعروضة منتقاة أو مبالغًا فيها.
وتشير الأدبيات النفسية إلى أن المقارنة الصاعدة، أي مقارنة الفرد نفسه بمن يعتقد أنهم أفضل منه، قد تؤدي إلى استجابتين مختلفتين.
الأولى استجابة تحفيزية، عندما يرى الفرد أن النجاح الذي يشاهده يمكن الوصول إليه بالتعلم والعمل وتطوير المهارات.
والثانية استجابة إحباطية، عندما يشعر بأن الفجوة بين وضعه الحالي والمستوى الذي يشاهده كبيرة إلى درجة يصعب تجاوزها.
وهكذا قد يقول الشاب الأول: «إذا استطاع هذا الشخص النجاح، فلماذا لا أتعلم وأحاول؟».
بينما يقول الشاب الثاني: «مهما اجتهدت، فلن أصل إلى هذا المستوى».
والفرق بين العبارتين ليس مجرد اختلاف في المزاج، بل قد يعكس اختلافًا في إدراك الفرص والكفاءة الذاتية والعدالة الاقتصادية.
هل أصبح التعليم أقل قيمة في نظر الشباب؟
من أخطر الأسئلة التي تثيرها الظاهرة علاقتها بالقيمة الاقتصادية والاجتماعية للتعليم.
فالتعليم الجامعي يقوم على الاستثمار طويل الأجل في المعرفة والمهارات والخبرة، بينما قد تقدم بعض المنصات الرقمية صورة للنجاح المالي تبدو سريعة ومباشرة.
وعندما يشاهد الطالب الجامعي مؤثرًا يحقق عوائد مرتفعة، فقد يبدأ في إعادة تقييم العلاقة بين سنوات الدراسة والعائد الاقتصادي المتوقع.
لكن من الضروري التمييز بين أمرين.
الأول هو أن بعض الشباب قد يكتشفون فرصًا مهنية جديدة في الاقتصاد الرقمي، فيقررون اكتساب مهارات إضافية أو تأسيس مشروعات مبتكرة. وهذا تحول إيجابي يمكن أن يعزز ريادة الأعمال.
أما الثاني فهو أن يتحول التعرض المتكرر لمظاهر الثراء إلى اعتقاد بأن التعليم والمعرفة والخبرة لم تعد ذات قيمة، وأن النجاح يعتمد أساسًا على الشهرة والحظ.
وهذا الاعتقاد قد يكون مضللًا؛ لأن قصص النجاح الاستثنائية لا تعبر بالضرورة عن العوائد المعتادة لجميع العاملين في صناعة المحتوى.
كما أن نجاح المؤثرين أنفسهم قد يعتمد على المعرفة والمهارات والتخطيط والاستثمار، حتى إن لم تظهر هذه العناصر بوضوح في المحتوى المنشور.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي ليس الدفاع عن التعليم التقليدي في مواجهة الاقتصاد الرقمي، وإنما تطوير التعليم ليصبح أكثر قدرة على إعداد الشباب لاقتصاد تتداخل فيه المعرفة والتكنولوجيا والإبداع وريادة الأعمال.
عدم المساواة الاقتصادية: الواقع وما نعتقد أنه الواقع
هناك فرق علمي مهم بين عدم المساواة الاقتصادية الفعلية وعدم المساواة الاقتصادية المدركة.
فالأولى يمكن قياسها من خلال بيانات الدخل والثروة وتوزيع الموارد والفرص.
أما الثانية فتعبر عن الصورة التي يحملها الفرد في ذهنه عن الفروق الاقتصادية بين الناس، ومدى اعتقاده بأن هذه الفروق عادلة أو مبررة.
وقد تسهم منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم الإحساس بالفوارق الاقتصادية، ليس بالضرورة لأنها تعكس زيادة فعلية في عدم المساواة، ولكن لأنها تجعل مظاهر الثراء أكثر حضورًا وتكرارًا في الحياة اليومية.
ففي الماضي، ربما لم يكن الشاب يرى مظاهر الثراء الاستثنائي إلا في مناسبات محدودة أو عبر وسائل الإعلام التقليدية.
أما اليوم، فقد يشاهد عشرات المقاطع التي تعرض السيارات الفاخرة والساعات الثمينة والمنازل والرحلات خلال جلسة تصفح واحدة.
ومع التكرار، قد تصبح هذه الصور مرجعًا ذهنيًا لتقييم مستوى المعيشة الطبيعي، رغم أنها لا تمثل بالضرورة الواقع الاقتصادي للأغلبية.
وهنا يظهر مفهوم «الحرمان النسبي».
فالإنسان قد لا يشعر بالحرمان فقط لأنه لا يمتلك موارد كافية، بل لأنه يقارن ما يمتلكه بما يراه لدى الآخرين، ويعتقد أن الفجوة بينهما غير عادلة.
ولا يعني ذلك أن جميع مشاعر عدم العدالة ناتجة عن وسائل التواصل؛ فهناك تفاوتات اقتصادية حقيقية وتحديات مرتبطة بالوظائف والأجور والفرص.
لكن المحتوى الرقمي قد يتفاعل مع هذه الظروف ويؤثر في تفسير الشباب لها.
لماذا تختلف استجابات الشباب؟
لا يمكن افتراض أن جميع الشباب يتأثرون بالطريقة نفسها.
فالشاب الذي يمتلك ثقة مرتفعة في قدرته على التعلم والعمل قد ينظر إلى نجاح المؤثرين بوصفه فرصة لفهم أساليب جديدة في التسويق أو ريادة الأعمال.
بينما قد يشعر شاب آخر، يواجه صعوبات اقتصادية أو مهنية، بأن النجاح المعروض بعيد تمامًا عن إمكاناته.
وتلعب البيئة الأسرية والتعليمية والمهنية دورًا مهمًا في تشكيل هذه الاستجابات.
كما تؤثر طبيعة المحتوى نفسه؛ فهناك فرق بين مؤثر يعرض مظاهر الثراء فقط، وآخر يشرح تجربته المهنية ومصادر دخله والتحديات التي واجهها والإخفاقات التي تعلم منها.
الأول قد يثير الإعجاب أو المقارنة دون أن يقدم معرفة عملية كافية.
أما الثاني فقد يساعد المتابع على فهم النجاح بوصفه عملية تتضمن مهارات وتكاليف ومخاطر، وليس مجرد نتيجة براقة.
وهذا الاختلاف يفتح المجال أمام سؤال بحثي مهم: هل يمكن أن يؤدي تقديم معلومات اقتصادية أكثر شفافية عن صناعة المحتوى إلى تقليل المقارنات المحبطة وتعزيز الاستفادة التعليمية من قصص النجاح؟
دراسة علمية لفهم مفارقة ثروات المؤثرين
في إطار بحث أكاديمي بعنوان:
The Influencer Wealth Paradox: Social Comparison, Perceived Economic Inequality, and Career Motivation among Egyptian Youth
يجري تطوير نموذج علمي لدراسة العلاقة بين التعرض لمظاهر ثروات المؤثرين، والمقارنة الاجتماعية، والشعور بالحرمان النسبي، وإدراك عدم المساواة الاقتصادية، والدافعية المهنية لدى الشباب المصري.
ويستند النموذج إلى عدد من النظريات النفسية والاجتماعية والمهنية، بهدف تفسير الظروف التي قد يتحول فيها النجاح الرقمي إلى مصدر للإلهام، والظروف التي قد يرتبط فيها بالإحباط.
ويتضمن التصميم البحثي المقترح عينة مستهدفة من 3600 شاب وشابة، تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، إلى جانب تجربة عشوائية تقارن بين ثلاثة أنماط من المحتوى الرقمي.
يعرض النمط الأول محتوى محايدًا، بينما يعرض الثاني مظاهر الثراء لدى المؤثرين، ويضيف النمط الثالث معلومات عن مصادر الإيرادات وتكاليف العمل والمخاطر الاقتصادية.
ويسعى التصميم إلى اختبار ما إذا كانت الشفافية المتعلقة بمصادر الثروة تؤثر في المقارنة الاجتماعية والتوقعات المهنية.
وقد أُعدت بيانات اصطناعية تضم 3600 سجل لاختبار النموذج الإحصائي وإجراءات التحليل قبل تنفيذ الدراسة الميدانية.
ومن المهم التأكيد أن هذه البيانات مولدة بالمحاكاة، ولا تمثل استجابات فعلية لشباب مصريين؛ ولذلك لا يمكن اعتبار نتائجها دليلًا على وجود تأثيرات محددة في المجتمع.
وستتطلب الإجابة العلمية عن هذه الأسئلة جمع بيانات ميدانية حقيقية، والتحقق من أدوات القياس، وتحليل العلاقات الإحصائية والسببية وفق تصميم البحث.
وتكمن أهمية الدراسة في أنها لا تنطلق من افتراض أن المؤثرين يضرون بالشباب، ولا من افتراض أنهم يمثلون نموذجًا مثاليًا للنجاح، وإنما تسعى إلى فهم آليات التأثير بصورة موضوعية.
ماذا عن الشباب الإماراتي والخليجي؟
لا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على المجتمع المصري، بل تمتد إلى المجتمعات العربية التي تشهد تحولًا رقميًا واقتصاديًا متسارعًا.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، يمثل الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال وصناعة المحتوى مجالات متنامية ترتبط بالتكنولوجيا والإبداع والابتكار.
وقد وفرت البيئة الرقمية فرصًا جديدة للشباب لتأسيس مشروعات وتطوير علامات تجارية شخصية والوصول إلى أسواق وجماهير تتجاوز الحدود الجغرافية.
غير أن اتساع هذه الفرص يجعل من الضروري تعزيز الوعي بالفارق بين النجاح المهني المستدام والصورة الرقمية للنجاح.
فليس المطلوب أن يتوقف الشباب عن متابعة المؤثرين، أو أن يُنظر إلى صناعة المحتوى باعتبارها نشاطًا أقل قيمة من المهن الأخرى.
بل المطلوب أن يمتلك الشباب الأدوات المعرفية التي تمكنهم من تقييم الفرص بصورة واقعية، وفهم العلاقة بين المهارة والعائد والمخاطرة.
كما ينبغي أن يتعلموا أن النجاح المهني لا يقتصر على مستوى الدخل أو حجم الجمهور، بل يشمل الاستقرار والاستقلالية والقدرة على التطور وإنتاج قيمة حقيقية للمجتمع.
وتتيح التجارب التعليمية والمهنية في الإمارات فرصة مهمة لدراسة كيفية دمج الثقافة المالية والرقمية وريادة الأعمال ضمن برامج إعداد الشباب للمستقبل.
هل تستطيع خوارزميات المنصات تضخيم المفارقة؟
تعمل كثير من المنصات الرقمية من خلال أنظمة توصية تتعلم من تفاعلات المستخدمين، مثل المشاهدة والإعجاب والمشاركة ومدة التفاعل.
وقد يؤدي ذلك إلى تكرار عرض أنماط معينة من المحتوى عندما تشير سلوكيات المستخدم إلى اهتمامه بها.
فإذا كان أحد الشباب يتفاعل باستمرار مع مقاطع السيارات الفاخرة والرحلات والمكاسب المالية، فقد يصبح هذا النوع من المحتوى أكثر حضورًا في تجربته الرقمية.
لكن لا يجوز افتراض أن جميع خوارزميات المنصات تعمل بالطريقة نفسها، أو أنها تستهدف عمدًا إضعاف الدافعية المهنية لدى المستخدمين.
المسألة الأكثر أهمية هي أن التوصية الخوارزمية قد تؤثر في نوعية المعلومات التي يتعرض لها الفرد، ومن ثم في البيئة التي تتشكل داخلها مقارناته وتوقعاته.
وهنا تظهر الحاجة إلى توسيع مفهوم الثقافة الرقمية، بحيث لا يقتصر على معرفة استخدام التطبيقات، بل يشمل فهم طبيعة المحتوى الانتقائي، وآليات الإعلان، وتأثير أنظمة التوصية في تشكيل الانتباه.
من ثقافة الاستعراض إلى ثقافة الإنجاز
لا يكمن الحل في مطالبة الشباب بتجاهل النجاح الاقتصادي أو التقليل من أهمية الطموح المالي.
فالطموح إلى تحسين مستوى المعيشة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي هدف مشروع، كما أن الاقتصاد الرقمي يوفر فرصًا حقيقية تستحق الدراسة والاستثمار.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النجاح إلى سباق دائم للمقارنة بالآخرين، وعندما تصبح مظاهر الاستهلاك معيارًا وحيدًا لتقييم الإنجاز.
ولهذا نحتاج إلى إعادة التوازن بين ثلاثة مفاهيم أساسية: الثروة، والقيمة، والنجاح.
فالثروة تعبر عن الموارد الاقتصادية التي يمتلكها الفرد.
أما القيمة فتتعلق بما ينتجه من معرفة أو خدمة أو ابتكار أو منفعة.
والنجاح مفهوم أوسع، قد يشمل الاستقرار المهني والاستقلالية والتأثير الإيجابي وتحقيق الأهداف الشخصية.
وقد يجتمع الثلاثة في تجربة واحدة، لكنهم ليسوا مترادفات بالضرورة.
ومن هنا يمكن أن تؤدي المؤسسات التعليمية والإعلامية دورًا مهمًا في تقديم نماذج متنوعة للنجاح، تشمل الباحث والعالم والطبيب والمهندس والمعلم ورائد الأعمال وصانع المحتوى.
فالمجتمع يحتاج إلى جميع هذه الأدوار، ولا ينبغي اختزال قيمة الإنسان في عدد المتابعين أو مستوى الاستهلاك الذي يعرضه على الشاشة.
نحو جيل يمتلك الطموح والوعي
ربما يكون التحدي الأكبر أمام الشباب العربي اليوم ليس نقص نماذج النجاح، بل كثرتها وتنوعها وسهولة مقارنتها بالحياة الشخصية.
فالهاتف المحمول يتيح الوصول إلى آلاف القصص التي تعرض الإنجاز والثراء والشهرة، لكنه لا يقدم دائمًا المعلومات الكافية لفهم الظروف التي أنتجت هذه القصص.
ولهذا ينبغي أن يتعلم الشباب طرح أسئلة نقدية بسيطة قبل مقارنة حياتهم بما يشاهدونه:
هل ما أراه يمثل الحياة الكاملة لهذا الشخص أم جزءًا مختارًا منها؟
هل أعرف مصادر دخله الحقيقية؟
هل النجاح الذي يعرضه قابل للتكرار؟
ما المهارات التي أحتاج إليها إذا أردت دخول المجال نفسه؟
وهل يتناسب هذا المسار مع قدراتي واهتماماتي وأهدافي؟
هذه الأسئلة لا تقتل الطموح، بل تجعله أكثر وعيًا وواقعية.
كما أنها تحول المقارنة من مصدر محتمل للإحباط إلى فرصة للتعلم.
الخاتمة: هل أصبحنا نقارن مستقبلنا بلقطات من حياة الآخرين؟
تكشف مفارقة ثروات المؤثرين عن تحول يتجاوز عالم وسائل التواصل الاجتماعي إلى الطريقة التي يفهم بها الشباب النجاح والفرص والعدالة الاقتصادية.
فالمشكلة ليست في أن بعض المؤثرين أصبحوا أثرياء، ولا في أن الشباب يحلمون بتحقيق النجاح المالي.
المشكلة المحتملة هي أن تتحول الحالات الاستثنائية إلى معايير يومية يقيس بها الأفراد قيمة تعليمهم وعملهم ومستقبلهم.
وعندما يحدث ذلك، قد يجد الشاب نفسه يقارن سنوات من الجهد والتعلم بلقطات قصيرة لا تكشف سوى الجانب الأكثر بريقًا من حياة الآخرين.
لكن الوجه الآخر لهذه الظاهرة يحمل فرصة مهمة.
فإذا استطعنا تطوير الوعي الرقمي والمالي، وربط الطموح بالمعرفة والمهارات، وتقديم صورة أكثر شفافية عن فرص الاقتصاد الرقمي ومخاطره، فقد تتحول قصص نجاح المؤثرين من مصدر للمقارنة المحبطة إلى مصدر للتعلم والابتكار.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أصبح بعض المؤثرين أكثر ثراءً من أصحاب المهن التقليدية؟
بل: كيف نساعد الشباب على بناء مستقبل مهني ناجح دون أن تتحول المقارنات الرقمية إلى مقياس وحيد لقيمة الإنسان وإنجازه؟
فالمستقبل لا يُبنى بعدد المشاهدات وحده، ولا تُقاس قيمة المعرفة بعدد الإعجابات.
والنجاح الحقيقي ليس بالضرورة ما يبدو أكثر بريقًا على الشاشة، بل ما يستطيع الإنسان بناءه واستدامته وتطويره في حياته الواقعية.
عن الكاتب
الأستاذ الدكتور وائل بدوي، أستاذ الهندسة والذكاء الاصطناعي بالجامعة المصرية الروسية، وباحث متخصص في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وتأثير التكنولوجيا في المجتمع. له إسهامات علمية وبحثية في مجالات التكنولوجيا والهندسة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
مراجع علمية مختارة
Festinger, L. (1954). A Theory of Social Comparison Processes. Human Relations, 7(2), 117–140.
Vogel, E. A., et al. (2014). Social Comparison, Social Media, and Self-Esteem. Psychology of Popular Media Culture, 3(4), 206–222.
Smith, H. J., et al. (2012). Relative Deprivation: A Theoretical and Meta-Analytic Review. Personality and Social Psychology Review, 16(3), 203–232.
Lent, R. W., et al. (1994). Toward a Unifying Social Cognitive Theory of Career and Academic Interest, Choice, and Performance. Journal of Vocational Behavior, 45(1), 79–122.
Tian, S., et al. (2023). Antecedents and Outcomes of Generation Z Consumers’ Contrastive and Assimilative Upward Comparisons with Social Media Influencers. Journal of Product & Brand Management, 32(7), 1046–1062.





